الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦
و الأنابيب و غيرها من لوازم البناء، ثم وضع نصف ما في هذا المخزن تحت تصرف أَحد المهندسين أَو المعماريين، لينشئ به عمارة ذات طوابق متعددة على أَرض منبسطة.
و بعد فترة من الزمن جاء سيل جارف و جرف ما تبقى في المخزن من مواد الإِنشاء و تركها على شكل تل على وجه الأرض.
إِنَّ العمل الأَول (العمارة) قد نتج عن عمل و إِرادة مهندس عالم.
أَمَّا الثَّاني (التل) فقد حدث بالفعل الطبيعي للسيل من دون إِرادة و شعور.
فالعقلاء بمختلف مراتبهم و قومياتهم و عصورهم يحكمون بعقلانية صانع العمارة، و مدى قوة إِبداعه في البناء، من وضعه الأعمدة في أَماكنها المناسبة و إِكسائه الجدران بالمرمر، و نصبه الأَبواب في مواضعها الخاصة، و مدّه الأَسلاك و أَنابيب المياه الحارة و الباردة و وصلها بالحمامات و المغاسل، و غير ذلك مما يتبع هندسة خاصة و دقيقة.
ولكن عندما نخرج إلى الصحراء كي نشاهد ما صنعه السيل، فغاية ما نراه هو انعدام النَّظام و الترتيب فالحجر و المرمر قد اندثر تحت الطين و التراب، و القضبان الحديدية قد طرحت إلى جانب، و الأَسلاك تراها مقطعة بين قطعات الآجرّ، و الأَبواب مرمية هنا و هناك، و غير ذلك من معالم الفوضى و التبعثر. و بشكل عام، إِنَّ المعدوم من هذا الحشد هو النظام و المحاسبة، إِذ لا هندسة و لا تدبّر.
فالذي يُستنتج أنَّ المؤسس للبناء ذو عقل و حكمة، و المُحْدِث للتل فاقد لهما، فالمهندس ذو إِرادة والسيل فاقد لها، و الأَول نتاج عقل و علم، و الثاني نتاج تدفق الماء و حركته العمياء.