الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٧
و قال الإِمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «سبحان من خَلَقَ الخَلْقَ بِقُدْرتِه، أتقَنَ ما خَلَق بِحِكْمَتِه وَ وَضَعَ كُلَّ شيء موضِعَهُ بِعِلْمِه»[١].
و إلى هذا الدليل أشار المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد بقوله: «و الإِحكامُ دليلُ العِلْم».
فإن قُلتَ: قد يصدر من بعض الحيوانات أفعال متقنة في ترتيب مساكنها و معيشتِها، كما في النحل و النمل و كثير من الوحوش و الطيور، مع أنها ليست من أولي العلم؟
قلتُ: إنَّ ما ذكرنا من أن الإِتقان في الفعل يدل على علم الفاعل قضيةٌ عقلية غيرُ قابلة للتخصيص، و أما هذه الحيوانات فإن عملها بإِلهام من خالقها كما عليه النصوص القرآنية. قال سبحانه: (وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَ لِكَ لآَيَةً لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)[٢].
و ما ربما يقال من تفسير هذه الأفعال العجيبة بغرائز الحيوانات، فلا ينافي ما ذكرنا. فإن الغرائز الصَّمَّاء لا تزيد عن كونها مادة عمياء لا تقدر على إيجاد شيء موزون إلاّ إذا كانت هناك قيادة عالية تسوقها إلى ما هو المطلوب منها. و للتفسير مجال آخر.
علمه سبحانه بالأشياء بعد إيجادها
قد تعرفت على براهين علمه بذاته و بأفعاله قبل الإِيجاد، و حان وقت
[١] بحار الأنوار ج ٤، ص ٦٥.
[٢] سورة النحل: الآيتان ٦٨ـ٦٩.