الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢١٧
و هذا ما أَنكره الله على المشركين»[١].
يلاحظ عليه: إِنَّ من يقول بأَنَّ القرآن مخلوق لا يريد إِلاّ كونه مخلوقاً لله سبحانه. فالله سبحانه خلقه و أَوحى به إلى النبي و نزّله عليه مُنِّجماً على مدى ثلاث و عشرين سنة و جعله فوق قدرة البشر فلن يأتوا بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
نعم، كون القرآن مخلوقاً لله سبحانه لا ينافي أَنْ يكون ما يقرؤه الإِنسان مخلوقاً له لبداهة أنَّ الحروف و الأصوات التي ينطق بها الناس مخلوقة لهم و هذا كمعلقة امرئ القيس و غيرها، فأصلها مخلوق لنفس الشاعر، ولكن المقروء مثال له، و مخلوق للقارئ.
والعجب أَنَّ الأشعري و من قبله و من بعدَه لم ينقّحوا موضع النزاع فزعموا أنَّه إذ قيل «القرآن مخلوق» فإنما يراد منه كون القرآن مصنوعاً للبشر، مع أَنَّ الضرورة قاضية بخلافه، فكيف يمكن لمسلم يعتنق القرآن و يقراً قول البارئ سبحانه فيه: (وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)[٢]، أن يَتَفَوّه بأنَّ القرآن مخلوق للبشر. بل المسلمون جميعاً يقولون في القرآن نفس ما قاله سبحانه في حقّه. غير أَنَّ المقروء على ألسنتهم مخلوق لأنفسهم، فيكون مثال ما نزله سبحانه مخلوقاً للإِنسان، و كون المثال مخلوقاً لهم ليس دليلا على أَنَّ المُمَثَّل مخلوقاً لهم. و الناس بأجمعهم عاجزون عن إيجاد مثل القرآن ولكنهم قادرون على إيجاد مثاله. فلاحظ و تدبر.
و بذلك تقف على أنَّ أكثر ما استدل به الأشعري في كتاب «الإِبانة» غير تام من جهة الدلالة، و لا نطيل المقام بإِيراده و نقده. و فيما ذكرنا كفاية.
بقي هنا نكتة ننبه عليها و هي: إِنَّ المعروف من إِمام الحنابلة أنَّه ما كان يرى الخوض في المسائل التي لم يخض فيها السَلَف الصالح لأَنه ما كان يرى
[١] الإبانة - ص ٥٦.
[٢] سورة الانعام: الآية ١٥٥. و مثله قوله: (تَنزِيلُ الْكِتَـبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الجاثية: الآية ٢) و آياتٌ كثيرةٌ اُخرى.