الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٧
أوّلُها فقد عرفت أنَّ تفسير الإِرادة باعتقاد النفع ملازم لإِنكار الإِرادة مطلقاً في الموجودات الإِمكانية فضلا عن الله سبحانه و ذلك لأَنَّ مرجعها إلى العلم بالنفع، مع أنَّا نجد في أَنفسنا شيئاً وراء العلم و الإِعتقاد بالنفع، والقائل بهذه النظرية يثبت العلم و ينكر الإِرادة. فإِذا بطل تفسير الإِرادة بالإِعتقاد بالنفع في الموجودات الإِمكانية يبطل تفسير إرادته سبحانه به أيضاً. و سيوافيك أنَّ من يفسّر إِرادة الله سبحانه بالعلم بالأَصْلَح، متأثر من هذا التفسير، غير أَنَّه بدّل العلم بالنفع - الظاهر في النفع الشخصي - إلى العلم بالأَصْلَح اللائق بحاله سبحانه، الهادف إلى مصالح العباد، فانتظر.
و أَما التفسير الثاني، أَعني الشوق أو خصوص الشوق المؤكد، فلو صح في الإِنسان فلا يصح في الله سبحانه، لأَن الشوق من مقولة الإِنفعال تعالى عنه سبحانه. فإِنَّ الشوق إلى الشيء شأن الفاعل الناقص الذي يريد الخروج من النقص إلى الكمال، فيشتاق إلى الشيء شوقاً أكيداً.
و أما التفسير الثالث، فسواء أفسرت بالقصد و العزم، أو الإِجماع و التصميم، فحقيقتها الحدوث بعد العدم، والوجود بعد اللاوجود و هي بهذا المعنى يستحيل أن تقع وصفاً لذاته لاستلزامه كون ذاته معرضاً للحوادث[١].
و لأَجل عدم مناسبة هذه التعاريف لذاته سبحانه، صار المتألهون على طائفتين: طائفة تحاول جعلها من صفات الذات لكن بمعنى آخر، و طائفة تجعلها من صفات الفعل فتذهب إلى أنَّ الإِرادة كالخلق و الرزق تنتزع من فعله سبحانه و إعمال قدرته و هذه الطائفة أراحت نفسها من الإِشكالات الواردة على كونها من الصفات الذاتية. و إليك الكلام حول نظريات هاتين الطائفتين.
[١] و سيوافيك في الصفات السلبيَّة أنَّ ذاته تعالى ليست محلا للحوادث.