الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٥
و أما إذا كانت العقوبة أثراً وضعياً للعمل بالوجهين الآتيين، فالسؤال ساقط، لأَن هناك ضرورة وجودية بين وجود المجرم والعقوبة التي تلابس وجوده في الحياة الأخروية، فعند ذلك لا يصح أن يُسأل عن أن التعذيب لماذا، و إِنما يتجه السؤال مع إمكان التفكيك، و الوضع والرفع، كالعقوبات الإِتفاقية.
ثم إِنَّ الملازمة الخارجية بين الإِنسان و العقوبة تتصور على وجهين:
الأول: إِنَّ كلاًّ من الأَعمال الإِجرامية أو الصالحة التي تصدر من الإِنسان في عالم الطبيعة تُوجژد في النفس مَلَكَةً مناسبة لها، بسبب تكرار العمل و ممارسته. و هذه المَلَكات النَفْسانية ليست شيئاً مفصولا عن وجود الإِنسان، بل تشكل حاقّ وجوده و صَميم ذاته. فالإِنسان الصالح و الطالح إِنما يحشران بهذه الملكات التي اكتسباها في الحياة الدنيوية عن طريق الطاعة و المعصية، ولكل ملكة أثر خاص يلازمها. و إن شئت قلت: إنّ كل نفس مع ما اكتنفها من الملكات تكون خَلاّقةً للصور التي تناسبها، إِما الجنة والروح و الريحان، أو النار ولهيبها و عذابها. فعلى ذلك يكون الثواب و العقاب مخلوقين للنفس قائمين بها على نحو لا يتمكن من ترك الإِيجاد. و هذا كالإِنسان الصالح الذي ترسخت فيه الملكات الصالحة في هذه الدنيا، فإنه لا يزال يتفكر في الأمور الصالحة، و لا تستقر نفسه و لا تهدأ إلاّ بالتفكر فيها، و في مقابله الإِنسان الطالح الّذي ترسخت فيه الملكات الخبيثة عن طريق الأعمال الشيطانية في الحياة الدنيوية فلا يزال يتفكر في الأمور الشرّيرة و الرديئة، و لو أراد إِبعاد نفسه عن التفكر فيما يناسب ملكتها لم يقدر على ذلك.
و يظهر من العلامة (الطباطبائي) أَنَّ الثواب والعقاب الأخرويين من الحقائق التي يكتسبها الإِنسان بأعماله الصحيحة و الفاسدة، و هما موجودان في هذه النشأة غير أَنَّ الأحجبة تحجز بينه و بين ما أعد لنفسه من الجنة والنار، قال: «إِن ظاهر الآيات أنَّ للإِنسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش