الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٤
ب - إنَّ الطبيب العارف بحالات النَّبض و أنواعه و أحوال القلب و أوضاعه يقدر على التنبوء بما سيصيب المريض في مستقبل أيامه. و ليس هذا العلم إلاّ من جهة علمه بالعلَّة من حيث هي علَّة.
ج - إنَّ الصيدلي العارف بخصوصية السّم إذا شربه الإِنسان يخبر عن أنَّه سيقضي على حياة الشارب في مدة معينة، أيضاً.
إذا عرفت هذه الأمثلة نقول: إنَّ العالَم بأجمعه معلول لوجوده سبحانه و ليس له علَّة إلاّ ذاته سبحانه. فالعِلْم بالذات علم بالحيثية التي هي سبب لتحقق العالم و تكوّنه. و بعبارة أخرى: العِلْمُ بالذات - كما عرفت دلائله - علم بالحيثية التي صدر منها الكون بأجمعه، و العلم بتلك الحيثية يلازم العلم بالمعلول. و هذا البرهان مبني على مقدمات مسلمة عند الإِلهيين نشير إلى خلاصتها:
الأولى - إنَّ العالم بجميع أجزائه مستند إليه سبحانه و هو مقتضى التوحيد في الخالقية، و إنَّه لا خالق إلاّ هو.
الثانية - علّيَّة شيء لشيء عبارة عن كونه مشتملا على خصوصية تقتضي صدور المعلول عنه و توجب إيجاباً قطعياً وجود المعلول في الخارج بحيث لولا تلك الخصوصية لما تحقق المعلول. و لأجل ذلك تكون بين الخصوصية القائمة بالعلَّة و وجود المعلول رابطةٌ وصلةٌ خاصةٌ تقتضي وجودَ المعلول، ولولا تلك الخصوصية لكانت نسبةُ المعلول إلى العلَّة، و غيرِها الفاقد لها، متساوية، مع أنه ضروري البطلان.
فالخصوصية الموجودة في النار الموجبة للحرارة غير الخصوصية الموجودة في الماء المقتضية للرطوبة.
الثالثة - إنَّ فاعليته تعالى لِمَا عداه، بنفس ذاته لا بخصوصية طارئة، وجهة زائدة عليها. فهو بنفس ذاته فاعل الكل، كما هو مقتضى بساطة ذاته