الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٤
يستطيعون أنْ يسمعوا أو يبصرو آياته حتى يؤمنوا بها، ولكن عدم استطاعتهم ليس بمعنى عدم وجودها فيهم من بداية الأَمر بل لأنهم حَرَموا أنفسهم من هذه النعم بالذنوب فصارت الذنوب وسيلة لكونهم ذوي قلوب لا يفقهون بها، و ذوي أعين لا يُبصرون بها، و ذوي آذان لا يسمعون بها، فصاروا كالأنعام بل هم أضل.
قال سبحانه: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّيَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ)[١].
وباختصار: فرق بين عدم الإِستطاعة فيهم من بداية التكليف و عدم قدرتهم على الإِيمان و استماع الآيات و إِبصارها. و عدم الإِستطاعة لتماديهم في الظلم و الغيّ و إِحاطة ظلمة الذنوب على قلوبهم و أعينهم و أبصارهم و أسماعهم. فالآية نزلت في المجال الثاني و البحث في الأَول. و قد تواترت النصوص من الآيات و الأَحاديث على أنَّ العصيان و الطغيان يجعل القلوب عمياء و الأَسماع صمّاء. قال سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)[٢].
و قال سبحانه حاكياً عن المجرمين: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَـابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لاَِّصْحَابِ السَّعِيرِ)[٣].
فالكلمة المعروفة بين المتكلمين و الحكماء من أنّ الإِمتناع بالأِختيار لا ينافي الإِختيار مُقْتَسَبَة من هذه الآيات و صريح الفطرة.
الآية الثانية - قوله تعالى: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الاَْسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
[١] سورة الاعراف: الآية ١٧٩.
[٢] سورة الصف: الآية ٥.
[٣] سورة المُلْك: الآيتان ١٠ - ١١.