الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٤
في الروع غَيْرُ مَسْدودَة، بنص الكتاب العزيز. قال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً)[١]. أَي يجعل في قلوبكم نوراً تُفَرِّقون به بين الحقِّ و الباطلِ و تُمَيِّزون به بين الصحيحِ و الزائفِ لا بالبَرْهَنَةِ و الإِستدلال بل بالشهود و المكاشَفَة.
و قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَ يَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[٢].
و المُراد من النور هو ما يمشي المؤمن في ضوئه طيلةَ حياتِه، في معاشه و معاده، في دينه و دنياه.[٣].
و قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ جَـاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)[٤]، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة في أَنَّ المُؤمِنَ يَصِلُ إلى معارف و حقائِق في ضوء المُجاهدة و التَّقوى، إلى أَنْ يقدر على رؤية الجحيم في هذه الدنيا المادية، قال سبحانه: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينَ *لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)[٥].
نعم ليس كلُّ من رمى أصاب الغَرَض، و ليست الحقائق رمية للنِّبال، و إِنما يَصِل إليها الأَمْثَلُ فالأَمْثَل، فلا يحظى بما ذكرناه من المكاشفات الغيبية و الفتوحات الباطنية إِلاّ النزر القليل ممن خَلُصَ روحُه
[١] سورة الأنفال: الآية ٢٩.
[٢] سورة الحديد: الآية ٢٨.
[٣] أَما في الدنيا فهو النور الذي أَشار إليه سبحانه بقول: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ وفِي الظُّـلُمَـتِ لَيْسَ بِخَارِج مِّنْهَا ) (سورة الأنعام: الآية ١٢٢).
و أَما في الآخرة فهو ما أَشار إليه سبحانه بقوله: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَـتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَـنِهِم ) (سورة الحديد: الآية ١٢).
[٤] سورة العنكبوت: الآية ٦٩.
[٥] سورة التكاثر: الآية ٥ـ٦.