الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٣
المقام الأول - حقيقة كلامه تعالى
إليك فيما يلي الآراء المطروحة في حقيقة كلامه تعالى:
أ - نظرية المعتزلة: قالت المعتزلة، كلامه تعالى أصوات و حروف ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرائيل أو النبي. و قد صرح بذلك القاضي عبدالجبار فقال: «حقيقة الكلام، الحروف المنظومة، و الأصوات المقطّعة، و هذا كما يكون مُنْعِماً بِنعْمَة توجَد في غيره، ورازقاً بِرزْق يُوجد في غيره، فهكذا يكون متكلماً بإِيجاد الكلام في غيره و ليس من شرط الفاعل أن يَحِلّ عليه الفعل»[١].
و الظاهر أنَّ كونه سبحانه متكلماً بهذا المعنى لا خلاف فيه، إِنَّما الكلام في حصر التكلم بهذا المعنى. قال في شرح المواقف: «هذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره بل نحن نقوله و نسميه كلاماً لفظياً و نعترف بحدوثه و عدم قيامه بذاته تعالى ولكن نثبت أمراً وراء ذلك»[٢].
يلاحظ على هذه النظرية أنَّ ما ذكره من تفسير كلامه سبحانه بإِيجاد الحروف و الأصوات في الأَشياء، إنَّما يصح في الكلام الذي يخاطب به سبحانه شخصاً أو أمة. فطريقه هو ما ذكره المعتزلة، و إليه ينظر ما ذكرنا من الآيات حول تكليمه سبحانه موسى أو غيره[٣]. و امَّا إذا لم يكن هناك مخاطب خاص لجهة الخطاب فلا بدّ أن يكون كلامه سبحانه على وجه الإِطلاق هو فعله المُنْبِئ عن جماله، المظهر لكماله. فاكتفاء المعتزلة بما ذكَروا من التفسير إنَّما يناسب القسم الأول، و أمَّا القسم الثاني فلا ينطبق عليه. إذ فعله على وجه الإِطلاق ليس من قبيل الأصوات و الألفاظ، بل عبارة عن الأعيان الخارجية و الجواهر و الأعراض. و قد سَمَّى سبحانه فعلَه
[١] شرح الأصول الخمسة للقاضي عبدالجبار، المتوفي عام ٤١٥، ص ٥٢٨. و شرح المواقف للسيد الشريف ص ٤٩٥.
[٢] شرح المواقف، ج ١، ص ٧٧. و سيوافيك الأمر الآخر الذي يثبته الأشاعرة.
[٣] قال سبحانه: (وَكَلّم الله مُوسَى تَكْلِيمَاً ) سورة النساء: الآية ١٦٤. و قال سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلّمَهُ الله إِلاّ وَحْياً.. ) سورة الشورى: الآية ٥١.