الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٢٣
متأثرين ببعض الشبهات الواهية التي ستقف على بعضها و جوابِها. و الإِمعان فيما ذكرنا حول الموجودات الإِمكانية يُوضِح لزومَ علمه سبحانه بالجزئيات وضوحاً كاملا. و يتضح حقيقته إذا وقفتَ على كيفية الخِلْقة و إفاضةِ الوجود من الله سبحانه، و إليك بيانه:
إنَّ الكون - بكل ما فيه - من الذرَّة إلى المجرَّة متجدد متغير لا بعوارضه و صفاته فقط بل بجواهره و ذواته. و ما يتراءى للناظر من الثبات و الاستقرار و الجمود في عالم الطبيعة فهو من خطأ الحواس، و الحقيقة غير ذلك، فالمادة بجميع ذرّاتها خاضعة للتغير و التبدل و السيلان في كل آن و أَوان. و معنى التغير في عالم المادة هو تجدد وجودها و سيلان تحققها آناً بعد آن. فكل ظاهرة مادية مسبوقة بالعدم الزماني.ووجود المادة، التي حقيقتها التدرّج و السيلان، أشبه بعين نابعة يتدفق منها الماء باستمرار، فليس لها بقاء و ثبات وجمود و استقرار.
فإِذا كانت الخلقة و إفاضة الوجود على وجه التدريج و التجزئة، ولم يكن بإمكان المعلول الخروج عن حيطة علته، يظهر أن العالَم بذرّاته و أجزائه، حسب صدوره من الله تعالى، معلوم له. فالإِفاضة التدريجية، و الحضور بوصف التَدَرُّج لديه سبحانه، يلازم علمَه تبارك و تعالى بالجزئيات الخارجيَّة.
شُبهات المنكرين
قد عرفت برهان عِلْمه سبحانه بالجزئيات، و بقي الكلام في تحليل الشبهات التي أُثيرت في هذا المجال. و إليك بيانها:
الشبهة الأولى: العلم بالجزئيات يلازم التغيُّرَ في عِلْمه
قالوا لو عَلِم سبحانه ما يجري في الكون من الجزئيات لزم تغيُّرُ علمه