الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٨
المفردات ظهوراً آخر. و قد يتحد الظهوران و قد يتخالفان. فلا شك أَنك إذا قلت «أسدٌ»، فإِنَّه يتبادر منه الحيوان المفترس. كما أنَّك إذا قلت «رأيْتُ أسداً في الغابة» يتبادر من الجملة نفس ما تبادر من المفرد.
و أما إذا قلت «رأيت أسداً يرمي» فإِنَّ المتبادر من الأسد في كلامك غير المتبادر منه حرفياً و انفراداً و هو الحيوان المفترس بل يكون حمله عليه، حملا على خلاف الظاهر. و أما حمله و تفسيره بالبطل الرامي عند القتال فهو تفسير للجملة بظاهرها من دون تصرف و تأويل.
ولو سمع عربي صميم قول الشاعر:
لَدَى أسَد شَاكِ السَّلاحِ مُجَرّبِ * لَهُ لُبَدٌ، أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
فلا يشك في أَنَّ المراد من الأسد هو البطل المقدام المقتحم لجبهات القتال لا الحيوان المفترس. و كذا لو سمع قول القائل:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَ في الحُروبِ نَعَامَةٌ * فَتخاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ
لا يتردد في نفسه بأنّ المراد هو الإِنسان المتظاهر بالشجاعة أمام الضعفاء، الخائف المُدْبِر عند لقاء الأبطال. فلا يصح لنا أن نتّهم من يفسر البيتين بالإِنسان الشجاع أو المتظاهر به، بأنه من المؤوِّلة. بل هو من المثبتين للمعنى من دون تأويل و لا تحوير.
فالواجب علينا هو الوقوف على المفاد التَّصديقي و إثباته لله سبحانه لا الجمود على المعنى الحرفي التصوري، و إثباته أو نفيه عن الله سبحانه. و لو أَنَّ القوم بحثوا عن مفاد الآيات، مجرّدين عن الآراء المسبقة، لوقفوا على الظّاهر التصديقي و أَثبتوه لله سبحانه من دون أن يكون هناك و صمة تأويل و تصرف أو مغبَّة تجسيم و تشبيه.
و لأجل إراءة نموذج من هذا النَّمط من البحث نركز على موارد مما وقع