الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٣
و تجريد الإِرادة عن النقائص لا يجعلها متحدة مع العلم حقيقة.
ثم إن الإِرادة - بعد تجريدها من النقائص - تكون صفة فعلية لله تعالى، كصفات الخلق و الإِيجاد و الرحمة.
بيان ذلك: عندما تكتمل جميع مقدمات و أسباب إيجاد الفعل، تنتزع عند ذاك صفة الإِرادة، فيكون تعالى «مريداً»، و الفعل «مراداً»، من دون أن تكون هناك واقعية ما بإزاء صفة الإِرادة سوى حالة تمامية الأسباب.
و بعبارة أُخرى: الإِرادة في الله تعالى صفة منتزعة من اجتماع علل و مقتضيات وجود الشيء. إذا عند ذاك، تارة ينسب اكتمال مقدمات الفعل و تماميتها إلى الفعل، وأخرى ينسب إلى الله تعالى. فإذا نسب إلى الفعل سميت هذه الحالة (اكتمال المقدمات): «إرادة الفعل»، ونفس الفعل: «مراد الله». وإذا نسب إلى الله تعالى سميت هذه الحالة: «إرادة الله»، و الله تعالى: «مريداً».
و يقول العلامة ـ قدس سره ـ : إن البراهين التي أقامها الحكماء لإِثبات كون الإِرادة إحدى صفات الذات، لا تثبت أزيد من أن جميع مظاهر الوجود مستندة إلى قدرته تعالى و علمه بالنظام الأَصلح، و لا تثبت أن إرادته تعالى عين علمه أو قدرته.[١]
يلاحظ عليه: إِنَّه لو كان الملاك لإِطلاق الإِرادة هو تماميّة الفعل من حيث السَّبب، يلزم صحة إِطلاقها فيما إِذا كان الفاعل المضطر تاماً في سببيَّته، و هو كماترى.
أَضف إلى ذلك أنَّ تمامية السبب فيما إِذا كان الفاعل عالماً و شاعراً، حقيقةٌ، و الإِرادةُ حقيقةٌ أُخرى. و قد قلنا إِنَّه يجب إِجراء الصفات على الله سبحانه بعد التجريد عن شوائب الإِمكان و المادية، مع التَّحفُّظ على معناها، لا سَلْخها عن حقيقتها و واقعيتها.
[١] ما أوردناه هو تقرير واضح لما أفاده ـ قدس سره ـفي تعاليق الأسفار ج ٦، ص ٣١٥ و ٣١٦. و نهاية الحكمة ص ٣٠٠.