الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٧
و قد نقل عن إِمام الحنابلة أنَّه قيل له:ها هنا قوم يقولون القرآن لا مخلوق و لا غير مخلوق. فقال: هؤلاء أَضرّ من الجَهْمِيّة على الناس، ويلكم فإنْ لم تقولوا: ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. فقال أحمد هؤلاء قوم سوء. فقيل له: ما تقول؟ قال: الذي أَعتقد و أَذهب إليه و لا شكّ فيه أنَّ القرآن غير مخلوق. ثم قال: سبحان الله، و من شك في هذا؟[١].
هذا ما لدى المحدّثين و الحنابلة و الأَشاعرة. و أَمَّا المعتزلة فيقول القاضي عبدالجبار: «أما مذهبنا في ذلك إِنَّ القرآن كلام الله تعالى و وحيه و هو مخلوق مُحْدَث أنزله الله على نبيه ليكون علماً و دالا على نبوته، و جعله دلالة لنا على الأَحكام لنرجع إليه في الحلال و الحرام، و استوجب منا بذلك الحمد و الشكر، و إذاً هو الذي نسمعه اليوم و نتلوه و إنْ لم يكن (ما نقرؤه) مُحدَثاً من جهة الله تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة كما يضاف ما نَنْشِدُهُ اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، و إنْ لم يكن (امروء القيس) مُحدِثاً لها الآن»[٢].
و قبل الخوض في تحليل المسألة نقدم أموراً:
١ـ إذا كانت مسألة خلق القرآن أو قدمه بمثابة أوجدت طائفتين يكفّر كل منهما عقيدة الآخر، فإمام الحنابلة يقول: إنَّ من زعم أَنَّ القرآن مخلوق فهو جَهْميّ كافر، و المعتزلة تقول: إِنَّ القول بكون القرآن غير مخلوق أو قديم شِرْك بالله سبحانه، فيجب تحليلها على ضوء العقل و الكتاب و السنة باجتناب كل هياج و لَغْط. و مما لا شك فيه أَن المسألة كانت قد طرحت في أجواء خاصة عزّ فيها التفاهم و ساد عليها التناكر. و إلاّ فلا معنى للإِفتراق في أمر تزعم إحدى الطائفتين أنه ملاك الكفر و أنَّ التوحيد في خلافه، و تزعم الطائفة الأُخرى عكس ذلك.
و لو كانت مسألة خلق القرآن بهذه المثابة لكان على الوحي التصريح
[١] الإِبانة، ص ٦٩، وقد ذكر في ص ٧٦، أسماء المحدثين القائلين بأنَّ القرآن غير مخلوق.
[٢] شرح الأَصول الخمسة، ص ٥٢٨.