الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٠
الثاني: ما استدلوا به في مجال الإِنشاء قائلين بأنه يوجد في ظرف الإِنشاء شيء غير الإِرادة و الكراهة، و هو الكلام النفسي، لأنه قد يأمر الرجُل بما لا يريده، كالمُخْتَبِر لعبده هل يطيعُه أولا، فالمقصود هو الإِختبار دون الإِتيان[١].
يلاحظ عليه: أولا: إِنَّ الأَوامر الإِختبارية على قسمين:
قسم تتعلق الإِرادة فيه بنفس المقدِّمة و لا تتعلق بنفس الفعل، كما في أمره سبحانه «الخليل» ـ عليه السَّلام ـ بذبح اسماعيل. و لأجل ذلك لما أتى «الخليل» بالمقدمات نودي (أنْ يا إِبراهيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيَا...)[٢].
و قسم تتعلق الإِرادة فيه بالمقدمة و ذيها غاية الأمر أنَّ الداعي إلى الأمر مصلحة مترتبة على نفس القيام بالفعل، لا على ذات الفعل، كما إذا أمر الأميرُ أحدَ وزرائه في الملأ العام بإحضار الماء لتفهيم الحاضرين بأنَّه مطيع غير متمرّد. و في هذه الحالة - كالحالة السابقة - لا يخلو المقام من إرادة، غاية الأمر أنَّ القسم الأول تتعلق الإِرادة فيه بالمقدمة فقط، و هنا بالمقدمة مع ذيها. فما صحّ قولُهم إنَّه لا توجد الإِرادةُ في الأوامر الإِختبارية.
و ثانياً: إِنَّ الظاهر من المستدل هو تصور أنَّ إرادة الآمر تتعلق بفعل الغير، أي المأمور، فلأجل ذلك يحكم بأنَّه لا إرادة متعلّقة بفعل الغير في الأوامر الإِمتحانية، و يستنتج أنَّ فيها شيئاً غير الإِرادة ربما يسمى بالطلب عندهم أو بالكلام النفسي. ولكن الحق غير ذلك فإنَّ إرادة الآمر لا تتعلق بفعل الغير لأنَّ فعله خارج عن إطار اختيار الآمر، و ما هو كذلك لا يقع متعلقاً للإِرادة. فلأجل ذلك، إِنَّ ما اشتهر من القاعدة من تعلّق إرادة الآمر و الناهي بفعل المأمور به، كلامُ صوري، إذْ هي لا تتعلق إلاّ بالفعل الإِختياري و ليس
[١] نفس المصدر.
[٢] سورة الصافات: الآيتان ١٠٤ ـ ١٠٥.