الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٣
شيء غير متحقق في الخارج، و أنَّه لا يمكن الحكم بكون شيء موجوداً و في الوقت نفسه الحكم بكونه معدوماً، يدرك ذلك بلا حاجة إلى تجربة واستقراء.
و أما المِلاك في العقل العملي فهو عبارة عن درك مطابقة القضية و ملاءَمتها للجانب المثالي من الإِنسان غير الجانب الحيواني، أو منافرتها له.
فالإِنسان بما هو ذو فطرة مثالية، يتميز بها عن الحيوانات، يجد بعض القضايا ملائمة لذلك الجانب العالي أو منافية له. فيصف الملائم بالحُسن و لزوم العمل، و المنافي بالقُبح و لزوم الإِجتناب. و لا يدرك القضايا بهذين الوصفين لشخصه فقط أو لصنف خاص من الإِنسان أو لكل من يطلق عليه الإِنسان، بل يدرك حسن صدورها أو قبحه لكل موجود عاقل مختار سواء وقع تحت مظلة الإِنسانية أو خارجها. و ذلك لأن المقوم لقضائه بأَحد الوصفين نفس القضية بما هي هي من غير خصوصية للمدرك. فهو يدرك أَنَّ العدل حَسَن عند الجميع و من الجميع، و الظلم قبيح كذلك، و لا يختص حكمه بأحدهما بزمان دون زمان و لا جيل دون جيل.
إلى هنا تم تبيين الأَمرين اللذين لهما دور في الحكم بالتحسين و التقبيح العقليين و يجب أن لا يُخلط أَحدهما بالآخر لكون الأَول مقدمة للثاني، و هما:
أـ إنتهاء كل القضايا في مجال العقلين إلى قضايا بديهية دفعاً للمحذور.
ب - تبيين مِلاك دركِ العقلِ صحةَ تلك القضايا البديهية في مجال العقلين.
و قد اتضح بذلك أنَّ المدعي للتحسين و التقبيح العقليين الذاتيين في غنى عن البرهنة لما يتبَّناه، كما أَنَّ المدعي لا متناع اجتماع النقيضين