الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٦٧
قضية مطلقة، لا تخرج إلى عالم الوجود. مثلا إذا كان قيام زيد مشروطاً بقيام عمرو، و قيامُه مشروطاً بقيام بكر، و هكذا دواليك إلى غير النهاية، فلن يتحقق القيام عندئذ من أي واحد منهم أَبداً - كما إِذا شرط الأَول إِمضاءَه للورقة بإِمضاءِ الثاني، و الثاني بإِمضاءِ ثالث و هكذا، فلن تُمْضَى تلك الورقة إلى الأبد - إلاَّ إِذا انتهت تلك القضايا إِلى قضية مُطْلَقَة بأَنْ يكونَ هناك من يقومُ أَو يمضي الورقة من دون أَنْ يكون فعلُه مشروطاً بشيء.
فهذه المعاليلُ المتسلسلة - بما أَنَّ وجودَ كلٍّ منها مشروط بوجودِ علة تتقدمه - تكون قضايا مشروطةً متسلسلةً غيرَ متناهية فلا تَخْرُجُ إلى عالم الوجود ما لم تصل إلى قضية مطلقَة، أَي إلى موجود يكون علةً محضةً و لا يكونَ وجوده مشروطاً بوجودِ علَّة أخرى، و عندئذ يكون ما فرضناه متسلسلا غير متسلسل، و ما فرضناه غير متناه متناهياً.
فقد خرجنا بهذه النتيجة و هي أَنَّ فَرْضَ عِلَل و معاليلَ غير متناهية، فرضٌ محال لاستلزامه وجود المعلول بلا علة. فيكون الصحيح خلافَه أَي انقطاع السلسلة، إذ لا واسطة بين الإِيجاب و السلب[١].
إلى هنا تمت المقدمات التي لها دور فى توضيح برهان الإِمكان و إليك نفس البرهان.
تقرير برهان الإِمكان
لا شك أَنَّ صفحة الوجود مليئة بالموجودات الإِمكانية بدليل أنها توجَد
[١] إنّ بطلان التسلسل من المسائل المهمة في الفسلفة الإِلهية و قد طرحه الفلاسفة في أَسفارهم و أَثبتوا البطلان بحجج كثيرة تناهز العشر. ولكنَّ أَكثرها غيرُ مُقنع لأَنهم استدلوا على البطلان بالبراهين الهندسية التي لا تجري إلا في الامور المتناهية و ما ذكرناه من البرهان، برهان فلسفي محض مقتبس من أصول الحكمة المتعالية التي أَسَّسها صَدْرُ الدين الشّيرازي و أَرْسى قواعدها تلامذة مدرسته و أبرزهم في العصر الأخير سيّدنا الراحل المغفور له العلاّمة الطباطبائي ـ قدس سرّه ـ.