الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٦
يدل ما فيه من بديع الخلق و دقيق التركيب على أنَّ خالقَه عالمٌ بما خلق، عليم بما صنع. فالخصوصيات المكنونة في المخلوق ترشدنا إلى صفات صانعه.
و قد وقع هذا البرهان موضع عناية عند المتفكرين. فإِنَّ المصنوع يدلّ من جهة الترتيب الذي في اجزائه أي كون صنع بعضها من أجل بعض، و من جهة موافقة جميعها للغرض المقصود من ذلك المصنوع، على أنَّه لم يحدث عن فاعل غير عالم بتلك الخصوصيات، بل حدث عن صانع رتب ما قبل الغاية، فيجب أنْ يكون عالماً به. و الإِنسان إذا نظر إلى بيت و أدرك أنَّ الأساس قد صُنع من أجل الحائط و أنَّ الحائط من أجل السقف، يتبين له أنَّ البيت قد وُجِدَ عن عالِم بصناعة البناء.
و الحاصل، أنَّ المصنوع بما فيه من إتقان ودقة و نظام بديع و مقادير معينة و مضبوطة يحكي عن أنّ صانِعَه مطّلع على هذه القوانين و الرموز، عارف بما يتطلبه ذلك المصنوع من مقادير و أنظمة. و من هنا يشهد الكون ابتداءً من الذرة الدقيقة و انتهاء إلى المجرة الهائلة، و من الخلية الصغيرة إلى أكبر نجم، بما يسوده من أنظمة و تخطيطات بالغة الدقة، على أنَّ خالق الكون عالم بكل ما فيه من أسرار و قوانين و أن من المستحيل أن يكون جاهلا. و قد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل بقوله: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[١].
و قال تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَانَ وَ نَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)[٢].
و قال الإِمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «عَلِمَ ما يَمْضِي و ما مَضَى، مُبْتَدِعُ الخلائِقِ بِعِلْمِه و مُنْشِؤُوها بِحِكْمَتِه»[٣].
[١] سورة الملك: الآية ١٤.
[٢] سورة ق: الآية ١٦.
[٣] نهج البلاغة، قسم الحكم، ١٩١.