الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٧
و قال سبحانه: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَـاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[١].
و قال سبحانه: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)[٢].
إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على حضور نفس العمل يوم القيامة، لكن باللباس الأخروي، و هذا يعرب عن أَنَّ لفعل الإِنسان واقعية تتجلى في ظرف بصورة و في آخر بأُخرى.
و هذه الإعمال تلازم وجوده و لا تنفك عنه، فإِذا كان عمل كل إِنسان يعد من ملازمات وجوده، و ملابسات ذاته، فالسؤال عن أنَّ التعذيب لماذا، يكون ساقطاً، إِذ السؤال إِنما يتوجه إذا كان التفكيك أمراً ممكناً.
والفرق بين الوجهين واضح: ففي الوجه الأول تكون نفس الإِنسان الصالح أو الطالح خلاّقةً لثوابه و عقابه وجنته و ناره حسب المَلَكات التي إكتسبتها في هذه الدنيا بحيث لا يمكن لصاحب هذه المَلَكَة السكون و الهدوء إِلاّ بفعل ما يناسبها. و في الوجه الثاني يكون العمل متجلياً في الآخرة بوجوده الأخروي من دون أنْ يكون للنفس دور في تلك الحياة في تجلّي هذه الأَعمال بتلك الصور بل هي من ملازمات وجود الإِنسان المحشور، فلا يُحْشَر الإِنسان وحده بل يحشر مع ما يلازم وجوده و يقارنه و يلابسه و لا ينفك عنه. و باختصار تكون رابطة الجزاء مع الإِنسان في القسم الأَول رابطة إِنتاجية بحيث تكون النفس منتجة و مولّدة للجزاء الحسن و السيء. و أما في الثاني فهي من ملازمات وجود الإِنسان و ملابِساته من دون انتاج.
قال تعالى: (وَ كُلَّ إِنسَان أَلْزَمْنَـاهُ طَـائرَهُو فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[١] سورة آل عمران: الآية ١٨٠.
[٢] سورة التوبة: الآية ٣٥.