الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٠٨
بأحد القولين و رفع الستار عن وجه الحقيقة، مع أَنَّا نرى أَنَّه ليس في الشريعة الإِسلامية نص في المسألة، و إنَّما ظهرت في أوائل القرن الثاني. نعم، استدلت الطائفتان ببعض الآيات، غير أَنَّ دلالتها خَفيّة، لا يقف عليها - على فرض الدلالة - إلاّ الأوحدي. و ما يُعدّ مِلاك التوحيد و الشِّرك يجب أنْ يرِدَ فيه نص لا يقبل التأويل و يقف عليه كل حاضر و باد.
و قد نقل الأشعري في كتابه (الإِبانة) أخباراً في شِرْكِ أبي حنيفة والبراءة منه و استتابة ابن أبي ليلى إياه لقوله بخلق القرآن، فتاب تقية، مخافة أنْ يُقدِم عليه، كما صَرَّح هو نفسه بذلك[١]. مع أنَّ الطَحاوي ذكر في عقائده ما يناقض ذلك و قال بعدم خلق القرآن رغم أنَّه حنفيّ، المشرب والمسلك.
٢ـ كان بعض السلف يتحرّجون من وصف القرآن بأنه قديم و قالوا فقط إِنه غير مخلوق. لكنهم تدرّجوا في هذا القول حتى وصفوا كلام الله بأنه قديم. و من المعلوم أنَّ توصيف شيء بأنه غير مخلوق أو قديم مما لا يتجرَّأُ عليه العارف، لأن هذين الوصفين من خصائص ذاته فلو كان كلامه سبحانه غير ذاته فكيف يمكن أَنْ يتصف بكونه غير مخلوق أو كونه قديماً. ولو فرضنا صحة تلك العقيدة التي لا ينالها إلاّ الأوحدي في علم الكلام فكيف يمكن أنْ تكون هذه المسألة الغامضة مما يجب الاعتقاد به على كل مسلم مع أَنَّ الإِنسان البسيط بل الفاضل لا يقدر أنْ يحلل و يدرك كون شيء غير الله سبحانه و في الوقت نفسه غير مخلوق.
إنَّ سهولة العقيدة و يسر التكليف من سمات الشريعة الإِسلامية و بها تفارق سائر المذاهب السائدة على العالم، مع أنَّ تصديق كون كلامه تعالى - و هو غير ذاته - غير مخلوق أو قديم، شيء يعسر على الخاصة فكيف على العامة.
[١] الإِبانة، ص ٧١ - ٧٢.