الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٥
للإِختيار التام، بخلاف الثاني فالفاعل فيه فاعل مختار تام وفعله مَجْلىً للإِختيار.
و هذا الحصر الحقيقي الذي يدور بين النفي و الإِثبات يجرّنا إلى القول بأنَّ فاعليته سبحانه بأحد الوجوه الأربعة:
إمَّا أن يكون فاعلا فاقداً للعلم، أو يكون عالماً فاقداً للإِرادة، أو يكون عالماً و مريداً ولكن عن كراهة لفعله لأجل إحاطة قدرة قاهرة عليه، أو يكون عالماً و مريداً راضياً بفعله. و فاعلية الباري سبحانه غير خارجة عن إحدى هذه الوجوه. و الثلاثة الأَول غير لائقة بساحته سبحانه فتعيّن كونه فاعلا مريداً مالكاً لزمام فعله و عمله، و لا يكون مقهوراً في الإِيجاد و الخلق. هذا من جانب.
و من جانب آخر إنَّ الإِرادة في المراتب الإِمكانية لا تنفك عن الحدوث و التدرّج و الانقضاء بعد حصول المراد، و من المعلوم إِنَّ إجراءها بهذه السِمات على الله سبحانه، محال لاستلزامه طروء الحدوث على ذاته. فيجب علينا في إجرائها عليه سبحانه حذف هذه الشوائب، فيكون المراد من إرادته حينئذ اختياره و عدم كونه مضطراً في فعله و مجبوراً بقدرة قاهرة.
فلو صح تسمية هذا الإِختيار بالإِرادة فنعم المراد، و إلاّ وجب القول بكونها من صفات الفعل.
و بعبارة أُخرى: إِنَّ الإِرادة صفة كمال لا لأجل كونها حادثة طارئة منقضية بعد حدوث المراد، و إنما هي صفة كمال لكونها رمز الإِختيار و سِمَةَ عدم المَقْهُوريّة حتى إن الفاعل المريد المُكْرهَ له قِسْط من الإِختيار، حيث يختار أحد طرفي الفعل على الآخر تلو محاسبات عقلية فيرجح الفعل على الضرر المتوعد به. فإِذا كان الهدف و الغاية من توصيف الفاعل بالإِرادة هو إثبات الإِختيار و عدم المقهوريّة فتوصيفه سبحانه بكونه مختاراً غير مقهور في سلطانه، غير مجبور في إعمال قدرته، كاف في جري الإِرادة عليه، لأن المختار واجد لكمال الإِرادة على النحو الأتم و الأكمل. و قد مرّ أنه يلزم في إجراء الصفات ترك المبادي و الأخذ بجهة الكمال، فكمال الإِرادة ليس في