الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥١
يصدر منه القبيح، و لا الإِخلال بما هو حسن.
و بعبارة أخرى: إِنَّ العقل يكشف عن أنَّ المُتَّصفَ بكل الكمال، و الغنى عن كل شيء، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقّق الصَّارف عنه و عدم الداعي إليه، و هذا الإمتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتى لا يقدر على الخلاف، و لا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، و لا ينافي اختياره في فعل الحسن و ترك القبيح، فإن الفعل بالإِختيار، و الترك به أيضاً. و هذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنَّه يمتنع عليه القبائح. و لا يهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل، بل الله بحكم أنَّه حكيم، التزم و كتب على نفسه أن لا يخل بالحسن و لا يفعل القبيح. و ليس دور العقل هنا إلاّ دور الكشف و التبيين بالنظر إلى صفاته و حكمته.
و باختصار: إِنَّ فعله سبحانه - مع كون قدرته عامة - ليس فوضوياً و متحرراً عن كل سلب و إيجاب، و ليس التحديد مفروضاً عليه سبحانه من ناحية العقل، و إنما هو واقعية و حقيقة كشف عنه العقل، كما كشف عن القوانين السائدة على الطبيعة والكون. فتَصوُّر أنَّ فعله سبحانه متحرر عن كل قيد وحَدّ، بحجة حفظ شأن الله سبحانه، وسعة قدرته، أشبه بالمُغالَطة، فإنَّ حفظ شأنه سبحانه غير فرض انحلال فعلِه عن كل قيد و شرط.
و بالتأمل فيما ذكرنا يظهر ضعف سائر ما استَدلَّ به القائلون بنفي التحسين و التقبيح العقليين. و لا بأس بالإِشارة إلى بعض أدلتهم التي أقامها المتأخرون عن أبي الحسن الأشعري.
الدليل الثاني:
لو كان التحسين و التقبيح ضرورياً لما وقع الإِختلاف
قالو: لو كان العلم بحسن الإِحسان و قبح العُدوان ضرورياً لما وقع