الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٩
البشر. فله يدٌ وعينٌ، لا كأيدينا و أعيننا و بذلك توفقوا - على حسب زعمهم - في الجمع بين ظواهر النّصوص و مقتضى التنزيه.
تحليل هذه النظرية
لا شك أَنَّه يجب على كل مؤمن الإِيمان بما وصف الله به نفسه، و ليس أحَدٌ أعْرَفَ به منه، يقول سبحانه: (ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)[١]. كما أنَّه ليس لأحد أَنْ يصرف كلامه سبحانه في أَيّ مورد من الموارد عما يتبادر من ظاهره من دون قرينة قطعية تستوجب ذلك. فإِنَّ قول المؤوِّلة - الذين يُؤوّلون ظواهر الكتاب و السنة بحجة أنَّ ظواهرها لا توافق العقل - مردود، إذ لا يوجد في الكتاب و السنة الصحيحة ما يخالف العقل، و إن ما يتصورونه ظاهراً و يجعلونه مخالفاً للعقل ليس ظاهر الكتاب المتبادر منه، و إنما يتخيلونه ظاهراً كما سيبين.
ثم إِنَّ ما جاء به الأشاعرة في هذه النظرية و قولهم بأنَّ لله يداً حقيقة بلا كيف - مثلا - لا يرجع إلى معنى صحيح. و ذلك أنَّ العقيدة الإِسلامية تتسم بالدقة والحصافة، و في الوقت نفسه بالسلامة من التعقيد و الإِبهام، و تبدو جلية مطابقة للفطرة و العقل السليم. و على ذلك فإبرازها بصورة التشبيه و التجسيم المأثور من اليهودية و النصرانية، كما في النظرية الأولى، أو بصورة الإِبهام و الإِلغاز كما في هذه، لا يجتمع مع موقف الإِسلام و القرآن في عرض العقائد على المجتمع الإِسلامي. فالقول بأنَّ لله يداً لا كأيدينا، أو وجهاً لا كوجوهنا، و هكذا سائر الصفات الخبرية أشبه بالألغاز. و ما يلهجون به ويكررونه من أنَّ هذه الصفات تجري على الله سبحانه بنفس معانيها الحقيقية ولكن الكيفية مجهولة، أشبه بالمهزلة. إذ لو كان إمرارها على الله
[١] سورة البقرة: الآية ١٤٠.