الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٧
و القبيح. ولكن كونه حكيماً يصده عن إيجاد الثاني و يخص فعله بالأول، و هذا صادق في كل فعل له قسمان: حسن و قبيح. مثلا: الله قادر على إنعام المؤمن و تعذيبه، و تام الفاعلية بالنسبة إلى الكل ولكن لا يصدر منه إلا القسم الحسن منهما لا القبيح، فكما لا يستلزم القول بصدور خصوص الحسن دون القبيح (على القول بهما) كونه ناقصاً في الفاعلية، فهكذا القول بصدور الفعل المقترن بالمصلحة دون المجرد عنها، و إنعام المؤمن ليس مرجوحاً و لا مساوياً لتعذيبه بل أولى به وأصلح لكن معنى صلاحه و أولويته لا يهدف إلى استكماله أو استفادته منه، بل يهدف إلى أنه المناسب لذاته الجامعة للصفات الكمالية، المنزهة عن خلافها. فجماله و كماله، و ترفعه عن ارتكاب القبيح، يطلب الفعل المناسب له - و هو المقارن للحكمة - والتجنب عن مخالفه.
الوجه الثالث:
و هناك دليل ثالث للأشاعرة حاصله أن غرض الفعل خارج عنه، يحصل تبعاً له و بتوسطه. و بما أنه تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداء، فلا يكون شيء من الكائنات إلاّ فعلا له، لا غرضاً لفعل آخر لا يحصل إلاّ به، ليصلح غرضاً لذلك الفعل. و ليس جعل البعض غرضاً أولى من البعض[١].
و كان عليه أن يقرر الدليل بصورة كاملة و يقول: لو كان البعض غاية للبعض فإما أن ينتهي إلى فعل لا غاية له، فقد ثبت المطلوب. أو لا، فيتسلسل، و هو محال.
يلاحظ عليه:
لا يشك من أطلَّ بنظره إلى الكون، بأنَّ بعض الأشياء بما فيها من الآثار، خُلِقَ لأشياء أُخر. فالغاية من إيجاد الموجودات الدانية كونها في خدمة العالية منها و أما الغاية من خلق العالية فهي إبلاغها إلى حد تكون مظاهر
[١] المواقف، ص ٣٣٢. و شرحه، ج ٨، ص ٢٠٤.