الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٨
و مجالي لصفات ربّها و كمال بارئها.
إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي، نرى هناك أوائل الأفعال وثوانيها وثوالثها و... فيقع الداني في خدمة العالي ويكون الغرض من إيجاد العالي إيصاله إلى كماله الممكن الّذي هو أمر جميل بالذات. ولا يتطلّب إيجاد الجميل بالذات غايةً سوى وجوده، لأن الغاية منطوية في وجوده.
هذا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي.
و أما إذا نظرنا إلى الكون بالنظر العامّ فالغاية للنظام الجملي ليست أمراً خارجاً عن وجود النظام حتى يسأل عنها بالنحو الوارد في الدليل، بل هي عبارة عن الخصوصيات الموجودة فيه و هي بلوغ النظام بأبعاضه و أجزائه إلى الكمال الممكن، والكمال الممكن المتوخى من الإِيجاد، خصوصية موجودة في نفس النظام و يعدّ صورة فعلية له، فالله سبحانه خلق النظام و أوجد فعله المطلق، حتى يبلغ ما يصدق عليه فعله، كلا أو بعضاً، إلى الكمال الذي يمكن أن يصل إليه، فليست الغاية شيئاً مفصولا عن النظام ، حتى يقال: ما هي الغاية لهذه الغاية حتى يتسلسل أو يصل إلى موجود لا غاية له.
و بما أن إيصال كل ممكن إلى كماله، غاية ذاتية لأنه عمل جميل بالذات، فيسقط السؤال عن أنه لماذا قام بهذا، لأنه حين أوصل كل موجود إلى كماله الممكن فالسؤال يسقط إذا انتهى إلى السؤال عن الأمر الجميل بالذات.
فلو سئلنا عن الغاية لأصل الإيجاد و إبداع النظام، لقلنا بأن الغرض من الإيجاد عبارة عن إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن. ثم إذا طرح السؤال عن الهدف من إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن، لكان السؤال جزافياً ساقطاً لأن العمل الحسن بالذات، يليق أن يفعل، و الفعل و الغاية نفس وجوده.
فالإيجاد فيض من الواجب إلى الممكن، و إبلاغه إلى كماله فيض آخر، يتم به الفيض الأول، فالمجموع فيض من الفياض تعالى إلى الفقير المحتاج و لا ينقص من خزائنه شيء فأي كمال أحسن و أبدع من هذا، و أي غاية أظهر من