الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٠٢
نعم، إِنَّ في هذه الأَبحاث ليس متاحاً لكل أحد، وليس مُيَسَراً لكل قاصد، فهي من قبيل السهل الممتنع، و ذلك لأنَّ الإِنسان بسبب أنسِه بالأُمور الحِسِّية يصعب عليه تحريرُ فِكْرِه عن كل ما تَفْرِضه عليه ظروفه حتى يَتَهَيَّأَ للتفكر فيما وراءَ الطبيعة بفكر متحرر من أغلال الماديَّة.
و هناكَ وجهُ آخر لمحدودية الإِنسان عن درك عميق المعارف الإِلهية و هو أنَّ أدواتَ الإِنسان للتعبير محدودةٌ بألفاظ و كلمات لم توضع إلاّ لبيان المعاني الحسية المحدودة فلأَجل ذلك لا مناص له عن التعبير عن الحقائق الكونية العُليا المُطْلَقَة عن الزمان و المكان بتلك الأَلفاظ الضَيِّقة، و إلى ذلك يشير بعض العرفاء بقولة:
أَلاَ إنّ ثَوْباً خِيْطَ مِنْ نَسْجِ تِسْعَة * و عشرينَ حَرْفاً عن معانيه قاصر
و الشيخ الرئيس ابن سينا يُوصي بِأنْ لا تُطرحَ المسائلُ الالهيةُ العويصةُ إِلاّ على أَهلها و يقول إِشاراته في خاتمة الكتاب: «أَيُّها الأخ إنّي قد مَخَضْتُ في هذه الإِشارات عن زُبدة الحق و أَلقَمْتُكَ قُفَّي الحكمِ في لطائف، فصُنهُ عن الجاهلين و المبتذلين و من لم يرزق الفطنة الوقادة، و الدَّرِبَة و العادة، و كان صَفاهُ مع الفاغَة، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة و من همجهم. فإِنْ وجدت من تثق بنقاء سريرته، و بتوقفه عما يتسرع إليه الوسواس، و بنظره إلى الحق بعين الرضا و الصدق، فاعطه ما يسألُكَ منه مدرّجاً مُجَزَّءاً مُفَرَّقاً تَسْتَفْرِسُ مما تُسْلِفُه لما تَسْتَقْبِلُه، و عاهِدْهُ بالله و بأَيْمان لا مخارج لها ليجري في ما يأتيه مجراكَ، متأسّياً بكَ، إِنْ أَذعتَ هذا العلمَ أَو أَضعته فالله بيني و بينَك و كفى بالله وكيلا»[١].
ولسنا هنا مدعين أَنَّ هذه المباحثَ مباحثُ عامةٌ يجوزُ لكل أَحد
[١] الإِشارات، ج ٣، ص ٤١٩.