الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٦٦
و صفناها به من كونها مفتقرات بالذات و متعلقات بالغير. فلا بدّ أَنْ يكون هناك علة وراء هذه السلسلة ترفع فقرها و تكون سناداً لها.
و بعبارة أخرى: اِنَّ كلَّ حلقة من هذه الحلقات (غير الأخيرة) تحمل سمتين: سمة العلية، و بهذه السمة تُوجِدُ ما قبلها، و سمةِ المعلولية و بهذه السمةِ تعلن أَنَّهَا لم تملك ما ملكَتْهُ ولم تدفع ما دفعَتْهُ إِلى معلولها إِلاَّ بالاكتساب مما تقدمها من العلّة. و هذا الأَمر جار و سائدٌ في كل حلقة و كل جزء يقع في أفق الحس أو الذهن. فإِذاً تصبح نفسُ السلسلة و جميعُ أَجزائِها تحمل سمة الحاجة و الفقر، و التعلّقِ و الرَّبطِ بالغير. و مثل تلك السلسلة لا يمكن أَنْ تُوجَد بنفسها إلاَّ بالإِستناد إلى موجود يحمل سمةً واحدة و هي سمةُ العلية لا غير ويتنزه عن سمة المعلولية. و عند ذاك تنقطع السلسلة و تخرج عن كونها غير متناهية إلى التناهي.
تمثيلان لتقريب امتناع التسلسل
إذا أردْتَ أن تستعينَ في تقريب الحقائقِ العقْلية بالأمثلة الملموسة فهاك مثالين على ذلك:
الأول: إنَّ كل واحدة من هذه المعاليل - التي نشير إليها بالإِشارة العقلية و إن لم نقدر على الإِشارة إليها عن طريق الحسّ لكونها غير متناهية - بحكم فقرها الذاتي، بمنزلة الصفر. فاجتماع هذه المعاليل بمنزلة اجتماع الأصفار. و من المعلوم أنَّ الصِّفْر بإضافة صِفْر، بإضافة صِفْر، صِفْرٌ مهما تسلسل، و لا ينتج عدداً صحيحاً. فلأجل ذلك يحكم العقل بأنَّه يجب أن يكونَ إلى جانب هذه الأصفار عدداً صحيحاً قائماً بالنفس حتى يكون مصححاً لقراءتها، و لولاه لما كان للأصفار المجتمعة الهائلة أيُّ دور في المحاسبة، فلا يُقْرَأ الصفر مهما أُضيفَتْ إليه الأصفار.
الثاني: إنَّ القضايا المشروطة إذا كانت غيرَ متناهية و غيرَ متوقفة على