الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢١٨
علماً إِلاّ علْمَ السَلَف، فما يخوضون فيه يخوض فيه، و ما لا يخوضون فيه من أمور الدّين يراه ابتداعاً يجب الإِعتراض عنه. و هذه المسألة لم يتكلم فيها السلف فلم يكن له أن يتكلم فيها. و المبتدعون هم الذين يتكلمون، فما كان له أن يسير وراءهم و كان من واجبه حسب أصوله أن يتوقف و لا يَنْبُس بِبِنْتِ شَفَة. نعم نقل عنه ما يوافق التوقف - رغم ما نقلنا عنه من خلافه - و أنَّه قال: من زعم أنَّ القرآن مخلوق فهو جهمي، و من زعم أنَّه غير مخلوق فهو مبتدع.
ويرى المحققون أنَّ إِمام الحنابلة كان في أوليات حياته يرى البحث حول القرآن، بأنَّه مخلوق أَوْ غير مخلوق، بدعة. ولكنه بعدما زالت المحنة و طلب منه الخليفة العباسي المتوكل، المؤيد له، الإِدلاء برأيه، إِختار كون القرآن ليس بمخلوق. و مع ذلك لم يؤثر عنه أنَّه قال: إِنَّه قديم[١].
موقف أَهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ
إِنَّ تاريخ البحث و ما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأَنَّ التشدّد فيه لم يكن لإحقاق الحق و إِزاحة الشكوك، بل استغلت كل طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها. فلأجل ذلك نرى أَنَّ أَئمة أَهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ منعوا أَصحابهم من الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الرّيّانُ بن الصَّلْت الإِمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ و قال له: ما تقول في القرآن؟
فقال ـ عليه السَّلام ـ : «كلامُ الله لا تَتَجاوَزُهُ و لا تَطْلُبوا الهُدى في غَيرِه، فَتَضِلّوا»[٢].
ورَوى علي بن سالم عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد
[١] تاريخ المذاهب الإِسلامية، ص ٣٠٠.
[٢] التوحيد للصَّدوق، باب القرآن ما هو، الحديث٢، ص ٢٢٣.