الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢١٢
و أَما الثَّاني - فهو قريب من الأَول في البداهة، فإنَّ القرآن يشتمل، و كذا سائر الصحف على الحوادث المحقَّقة في زمن النبي من مُحاجّة أهل الكتاب والمشركين وما جرى في غزواته وحروبه من الحوادث المؤلمة أو المُسِرّة، فهل يمكن أنْ نقول بأَنَّ الحادثة التي يحكيها قوله سبحانه: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَـادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ)[١]، قديمة.
و قد أخبر الله تبارك و تعالى في القرآن و الصحف السماوية عما جرى على أَنبيائه من الحوادث و ما جرى على سائر الأمم من أَلوان العذاب، كما أَخبر عما جرى في التكوين من الخلق و التدبير، فهذه الحقائق الواردة في القرآن الكريم، حادثة بلا شك، لا قديمة.
و أَما الثَّالث - فلا شك أَنَّ ذاته و صفاته من العلم و القدرة و الحياة و كل ما يرجع اليها كشهادتِه أنَّه لا إله إلاّ هو، قديم بلا إشكال و ليس بمخلوق بالبداهة، ولكنه لا يختص بالقرآن بل كل ما يتكلم به البشر و يشير به إِلى هذه الحقائق، فمعانيه المشار اليها بالألفاظ والأَصوات قديمة، و في الوقت نفسه ما يشار به من الكلام و الجمل حادث.
و أَما الرَّابع - أي عِلْمه سبحانه بما جاء في هذه الكتب و ما ليس فيها، فلا شك أنَّه قديم نفس ذاته. ولم يقل أَحد من المتكلمين الإِلهيين إلاّ من شذّ من الكرّامية - بحدوث علمه.
و أما الخامس - أعنى كونه سبحانه متكلماً بكلام قديم أزلي نفساني ليس بحروف الأصوات، مغاير للعلم و الإِرادة، فقد عرفت أن ما سمّاه الأشاعرة كلاماً نفسيّاً لا يخرج عن إطار العلم و الإِرادة و لا شك أنّ علمه و إرادته البسيطة قديمان.
و أما السَّادس - و هو أنَّ الهدف من نفي كونه غير مخلوق، كون القرآن
[١] سورة المجادلة: الآية ١.