الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٦٥
إِنَّ معلولية الأَجزاء التي لا تنفك عن معلولية السلسلة آية التعلق بالعلة، و علامة التدلي بالغير، و سمةُ القيام به. فما هي تلك العلة التي تتعلق بها الأَجزاء؟ و ما ذاك الغير الذي تتعلق به السلسلة؟
و أنت إذا سألت كل حلقة عن حالها لأجابتك بلسانها التكويني بأنها مفتقرة في وجودها، متعلقة في جميع شؤونها بالعلة التي أوجدتها. فإذا كان هذا حال كل واحدة من هذا الحلقات، كان هذا أيضاً حال السلسلة برمّتها. و عندئذ نخرج بهذه النتيجة: إنَّ كلَّ واحدة من أجزاءِ السلسلة معلولة، و المركب من المعاليل (السلسلة) أيضاً معلول. و المعلول لا ينفك عن العلّة، و المفروض أنَّه ليس هنا شيء يكون علّة و لا يكون معلولا و إلاّ يلزم انقطاع السلسلة و توقفها عند نقطة خاصة قائمة بنفسها أعني ما يكون علة و لا يكون معلولا، و هذا خلف.
فإنْ قلت: إِنَّ كلَّ معلول من السلسلة مُتَقَوِّم بالعلّة التي تتقدمه، و متعلق بها، فالجزء الأَول من آخر السلسلة وجد بالجزء الثاني، و الثاني بالثالث، و هكذا إلى ما شاء الله من الأَجزاءِ غير المتناهية و الحلقات غير المحدودة. و هذا المقدار من التعلّق يكفي في رفع الفقر و الحاجة.
قلت: إِنَّ كل معلول، و إِن كان يستند إلى علة تتقدمه ويستمد منها وجودَه، ولكن لما كانت العلل في جميع المراحل متسمةً بسمة المعلولية كانت مفتقرات بالذات، و مثل هذا لا يوجد معلولَه بالإستقلال، و لا ينفض غبار الفقر عن وجهه بالأَصالة، إذْ ليسَ لهذه العلل في جميع الحلقات دور الإِفاضة بالأَصالة و دور الإِيجاد بالإِستقلال بل دور مثل هذه العلل دور الوسيط والأَخذ من العلة المتقدمة و الدفع إلى معلوله، و هكذا كل حلقة نتصورها علة لما بعدها. فهي عند ذاك لا تملك شيئاً بذاتها و إنما تملك ما تملكه من طرف العلة التي تتقدمها و مثلها حال العلل الأخرى من دون استثناء في ذلك. و مثل هذا لا يصيِّر السلسلة و لا أَجزاءَها غنية بالذات بل تبقى على ما