الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٥
مستقلا في إِدراك حُسن الصدق و قبح الكذب، فلا إِشكال في أَنّ ما أَمر به الشارع يكون حَسَناً و ما نهى عنه يكون قبيحاً، لحكم العقل بأَنَّ الكذب قبيح، والشارع لا يرتكب القبيح، و لا يتصور في حقه ارتكابه.
و أَما لو لم يستقل العقل بذلك، فلو أمر الشارع بشيء أو نهى عنه أو أخبر بحسن الصدق و قبح الكذب فلا يحسن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتى نعتقد بمضمونه لاحتمال عدم صدق الشارع في أَمره أَو إِخباره فإِن الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد، حتى لو قال الشارع بأَنَّه لا يكذب لم يحصل لنا اليقين بصدقه حتى في هذا الإخبار. فيلزم على قول الأَشعري أَنْ لا يتمكن الإِنسان من الحكم بحسن شيء لا عقلا و لا شرعاً.
و إِنْ شئت قلت: لو لم يستقل العقل بحسن بعض الأَفعال و قبح بعضها الآخر، كالصدق و الكذب، و أَخبرنا الله سبحانه عن طريق أَنبيائه بأنَّ الفعل الفلاني حسن أَو قبيح، لم نجزم بصدق كلامه لتجويز الكذب عليه.
ثم إِنَّ الفاضل القوشجي الأشعري أجاب عن هذا الإِستدلال بقوله «إِنَّا لا نجعل الأَمر و النهي دليلي الحُسن و القبح ليرد ما ذكر بل نجعل الحُسن عبارة عن كون الفعل متعلق الأَمر و المدح، و القبح عن كونه متعلق النهي و الذم»[١].
يلاحظ عليه: إِنَّ البحث تارة يقع في التسمية و المصطلح فيصح أَنْ يقال إِنَّ ما وقع متعلق الأَمر و المدح حَسَن، و ما وقع متعلق النهي و الذم قبيح. و العلم بذلك لا يتوقف إلاّ على سماعهما من الشرع. و أخرى يقع في الوقوف على الحسن الواقعي أو القبح كذلك عند الشرع، فهذا مما لا يمكن استكشافه من مجرد سماع تعلق الأَمر و النهي بشيء إذْ من المحتمل أنْ يكون الشارع عابثاً في أَمره و نهيه. و لو قال إِنَّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي
[١] شرح التجريد للفاضل القوشجي، ص ٤٤٢.