الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٤
و ارتفاعهما كذلك. و العجب أنَّ الحكماء و المتكلمين اتفقوا على أَنَّه يجب انتهاء القضايا النظرية في العقل النظري إلى قضايا بديهية، و إِلاّ عقُمت الأَقِيْسَة و لزم التسلسل في مقام الإِستنتاج، ولكنهم غفلوا عن إجراء ذلك الأَصل في جانب العقل العملي و لم يقسموا القضايا العملية إلى فكرية و بديهية، أَو نظرية و ضرورية. كيف و الإِستنتاج و الجزم بالقضايا غير الواضحة الواردة في مجال العقل العملي لا يتم إِلاّ إِذا انتهى العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال. و قد عرفت أَنَّ المسائل المطروحة في الأَخلاق، مما يجب الإِتصاف به أَو التنزّه عنه، أو المطروحة في القضايا البيتية و العائلية التي يعبر عنها بتدبير المنزل، أو القضايا المبحوث عنها في علم السياسة و تدبير المدن، ليست في وضوح على نمط واحد، بل لها درجات و مراتب. فلا ينال العقل الجزم بكل القضايا العملية إِلاّ إذا كانت هناك قضايا بديهية واضحة تبتني عليها القضايا المجهولة العملية حتى يحصل الجزم بها و يرتفع الإِبهام عن وجهها. و لأَجل ذلك نحن في غنى عن التوسع في طرح أَدلة القائلين بالتحسين و التقبيح و لا نذكر إِلاّ النَّزر اليسير منها.
فكما أَنهم غفلوا عن تقسيم القضايا في الحكمة العملية إلى القسمين، فهكذا غفلوا عن تبيين ما هو المِلاك لدرك العقل صحة بعض القضايا أوْ بطلانها في ذلك المجال. و يوجد في كلمات المتكلمين في بيان المِلاك و المعيار أمور غير تامة يقف عليها من راجع الكتب الكلامية.
أَدلة القائلين بالتَّحسين و التَّقبيح العقليين
الدّليل الأول: هو ما أشار إليه المحقق الطّوسي بقوله: «و لإِنتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً»[١]. أي إنَّا لو قلنا بأنَّ الحُسن و القُبح يثبتان من طريق الشرع، يلزم من ذلك عدم ثبوتهما بالشرع أيضاً.
توضيحه: إِنَّ الحُسن والقُبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل
[١] كشف المراد، ص ١٨٦.