الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٢٥
و بعبارة أخرى: إنَّه تعالى لمَّا لم يكن مكانياً أيضاً (كما أنَّه لم يكن زمانياً) كانت نسبته إلى جميع الأمكنة على السواء فليس بالقياس إليه قريب و بعيد و متوسط. و على ذلك تكون نسبته إلى جميع الأشياء في جميع الأزمنة على السواء. فالموجودات من الأزل إلى الأبد معلومة له و ليس في علمه «كان» و «كائن» و «سيكون»، بل هي حاضرة عنده بكل خصوصياتها لكن لا من حيث دخول الزمان فيها بحسب أوصافها الثلاثة، إذ لا تحقق لها بالنسبة إليه تعالى. و مثل هذا العلم لا يكون متغيراً بل مستمراً كالعلم بالكليات.
و لتقريب الذهن نأتي بمثال: إذا كان الشارع حافلا بالسيّارات العابرة واحدة تلو الأخرى و كان هناك إنسان ينظر إليه من نافذة ضَيّقة. فإنه يرى في كل لحظة سيارة واحدة. فالسيارات حينئذ بالنسبة إليه على أقسام ثلاثة سيارة مرّت، و سيارة تمرّ، و سيارة لم تمرّ بعد. و هذا التقسيم صحيح بالنسبة إليه في هذا الموضع.
و لكن لو كان هذا الإِنسان ينظر إلى هذا الشارع من أُفُق عال، فإِنه يرى مجموع السيارات دفعة واحدة و لا يصح هذا التقسيم بالنسبة إليه عندئِذ.
و على ذلك الأصل فالموجود المنزَّه عن قيود الزمان و حدود المكان يقف على جميع الأشياء مرة واحدة، و تنصبغ الموجودات المتغيرة بصبغة الثَّبات بالنسبة إليه.
فالعِلْمُ في المثال الذي ذُكِر في بيان الشبهة من كون زيد جالساً في الدار ساعة ثم خروجه منها في ساعة أخرى، يتعلق بالجلوس و الخروج مرة واحدة و لا معنى للتقدم و التأخر.
حل الشّبهة بوجه آخر
إنَّ الشبهة قائمة على فرض كون علمه سبحانه بالأشياء علماً حصولياً