الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٦
وجه الاستدلال: إنَّه إِذا جاز تكليفهم في الآخرة بما لا يستطيعون جاز ذلك في الدنيا.
يلاحظ عليه: إِنَّ الدعوة إلى السجود في ذلك الظرف ليست عن جد و إِرادة حقيقية. بل الغاية من إنشاء البعث إيجاد الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا. و الآية بصدد بيان أنَّهم في أوقات السلامة رفضوا الإِطاعة والإمثال، وبعدما كشف الغطاء عن أعينهم ورأوا العذاب همّوا بالطاعة والسجود ولكن أنّى لهم ذلك في الآخرة، و اليك تفسير جُمل الآية واحدة بعد الأخرى:
أ - قوله: (يوم يكشف عن ساق): كناية عن اشتداد الأمر تفاقمه لأن الإِنسان إذ أراد عبور الماء المتلاطم يكشف عن ساقيه ثم يخوض غماره، فاستعير لبيان شدة الأمر و إِنْ لم يكن هناك ماء ولا ساق و لا كشف، كما يقال للأقطع الشحيح: «يده مغلولة»، و إن لم يكن هناك يد و لا غلّ.
ب - قوله (يُدعون إلى السجود): لا طلباً و لا تكليفاً عن جد، بل لزيادة الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم، كما يقول المعلم الممتحن لتلميذه الذي يعلم أنَّه سيرسب في الإِمتحان، أُدرس و طالع واسهر الليالي، لإيجاد الحسرة في قلبه، مع أنَّه ليس هناك مجال لواحد من هذه الأمور.
ج - قوله: (فلا يستطيعون): إِما لسلب السلامة عنهم إثْرَ أَعمالهم الإجرامية في الدنيا، أو لاستقرار ملكة الإِستكبار في سرائرهم - (يوم تبلى السرائر) - أو لتعلق مشيئته سبحانه بانحصار العمل في الدنيا وانحصار الآخرة بالنتاج و الجزاء. قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «ألا وَ إِنَّ اليَوْمَ المِضْمَارَ، و غداً السِّباقَ، و السَّبَقَةُ الجَنَّةُ، والغايةُ النارُ، أفلا تائبٌ من خطيئَتِهِ قبل مَنِيَّتهِ، ألا عاملٌ لِنَفْسِهِ قَبْل يوم بُؤْسِهِ، ألا و إنَّكُم في