الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٠
إقامة العبودية مجرداً عن المعرفة التفصيلية للمعبود، تكون عبوديته أَشبه بعبودية سائر الموجودات بل أنزل منها بكثير، إذ في وسع الإِنسان معرفة معبوده تفصيلا بمقدار ما أُعْطِيَ من المقدرة الفكرية التي لم يُعطها غيره.
فإِنّْ أُريد من إِدراك الربوبية إِدراك كنه الذات فهو أَمر محال، و لم يدَّعِه أَحد. و إِنْ أُريد معرفتة أَسمائه و صفاته و أَفعاله حسب المقدرة الإِنسانية في ضوء الأقيسة المنطقية و الكتاب و السنَّة الصحيحة القطعية فهذه وظيفة العقل.
و جميعنا نرى أَنَّه سبحانه يذم المشركين الذين لم يَعْرِفوه حق معرفته - بما في وسع الإِنسان - إِذ يقول سبحانه: (ما قَدَروُا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[١].
و باختصار: لو كان الهدف هو معرفة كنه الذات الإِلهية و حقيقة الصفات و الأَسماء، كان ترك البحث متّجهاً، و أَمَّا إِذا كان المقصود هو التعرف على ما هناك من الجمال و الكمال و نفي ما ربما يتصور في الذَّات الإِلهية من النقص و العجز، فلا شك أَنَّ للعقل أنْ يطرق هذا المجال، و في مقدوره أنْ يصل إِليه.
***
الطرق الصحيحة إلى معرفة الله
إِنَّ ذاتَه سبحانه و أَسماءَه و صفاتَه و أَفعالَه، و إنْ كانت غيرَ مسانخة لمُدْرَكات العالَم المحسوس، لكنها ليست على نحو يستحيل التعرفُ عليها بوجه من الوجوه. و من هنا نجد أَنَّ الحكماء و المتكلمين يسلكون طرقاً مختلفة للتعرف على ملامح العالَم الرُّبوبي، و هم يرون أَنَّ ذلك العالم ليس على وجه لا يقع في أُفق الإِدراك مطلقاً، بل هناك نوافذ على الغيب عقليةٌ و نقليةٌ، يُرى منها ذلك العالم الفسيح العظيم.
[١] سورة الحج: الآية ٧٤.