الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٦٩
فلم يبق إِلاّ القول بانتهاء الممكنات إلى الواجب بالذات، القائم بنفسه، المفيض للوجود على غيره.
بُرهانُ الإِمكان في الذكرِ الحكيم
إنَّ الذكرَ الحكيم طرح معارفَه و أصولَه مدعومة بالبراهين الجليّة، و لم يكتف بمجرد الدعوى بلا دليل، فهو كالمعلِّم يلقي دروسه على تلاميذه بالبينة و البرهان. فالإِستدلالُ بهذه الآياتِ ليس كاستدلال الفقيه بها على الفروع، فإنَّ الفقيه أثبَتَ أنَّ الوحيَ حجةٌ فأخَذَ بتفريعِ الفروع و إقامةِ الحُجَّةِ عليها من الوحي، بل الإِستدلال بها في هذا الموقف الذي نحن فيه كالإِستدلال بسائر البراهين الموروثة عن الحكماء و المتألهين. و قد أشار سبحانه في الآيات التالية إلى شقوق برهان الإِمكان.
فإلى أَنَّ حقيقةَ الممكن، حقيقةٌ مفتقرة لا تملك لنفسها وجوداً و تحقُّقاً و لا أيَّ شيء آخر، أشار بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[١].
و مثله قوله سبحانه: (وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَ أَقْنَى)[٢].
و قوله سبحانه: (وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ)[٣].
و إِلى أنَّ الممكنَ، ومنه الإِنسان، لا يتحقق بلا علَّة، و لا تكون علَّتُهُ نفسَهُ، أَشار سبحانه بقوله: (أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)[٤].
[١] سورة فاطر: الآية ١٥.
[٢] سورة النجم: الآية ٤٨.
[٣] سورة محمد: الآية ٣٨.
[٤] سورة الطور: الآية ٣٥.