الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٩
أَجل، إِنَّ هذه المحاسبة الرياضيَّة التي يُجريها العقل إِذا هو شاهد النظام السائد في الكون، تدفعه إلى الحكم بأَنَّ هناك علة عاقلة اختارت هذه الصورة من بين تلك الصور الهائلة بقصد و إِرادة، و جمعت تلك الشرائط اللازمة بهذا الشكل المناسب للحياة[١].
و بهذا يبقى برهان النظم قوياً صامداً سليماً عن أَيَّ نقد و لا يرتبط بشيء من التمثيل أَوْ التجربة كما تصور «هيوم»، و إِنما هو العقل وحده ينتهي إِليه عن طريق ملاحظة نفس ماهية النظام من دون تنظيرها بشيء، و بهذا يتساوى الموجود الطبيعي والمصنوع البشري. فالعقل إذا رفض الإِذعان بأَنَّ الساعة وجدت بلا صانع أَو أنَّ السيارة وجدت بلا علة، فإِنما هو لأَجل ملاحظة نفس الظاهرة (الساعة و السيارة) حيث يرى أَنَّها تحققت بعد ما لم تكن، فيحكم من فوره بأَنَّ لها موجداً. و ليس هذا الحكم إِلا لأَجل الإِرتباط المنطقي بين وجود الشيء بعد عدمه، و لزوم وجود فاعل له، و إِنْ شئت قلت لأَجل قانون العلية و المعلولية الذي يعترف به العقل في جميع المجالات.
كما أَنَّ حكم العقل في المقام بأَنَّ الموجود المنظم مخلوق عقل كبير، ناشئ من الإِرتباط المنطقي بين النظام و دخالة الشعور، أَو استحالة ظهور النظام صدفة للمحاسبة الرياضية التي مرّت، لا لأَن العقل مثل أَو جرّب فتوصل إلى هذه النتيجة.
و حصيلة الكلام: إِنَّ طبيعة النظام و ماهيته في الأشياء التي نراها تنادي بلسان تكوينها أَنَّها صادرة عن فاعل شاعر و خالق عاقل، و هذا هو الذي يجعل العقل يذعن بوجود مثل هذا الخالق وراء النظام الكوني، من دون النَّظر إلى شيء آخر[٢].
[١] راجع التقرير الرابع لبرهان النَّظم، فقد أَشرنا فيه إلى ماها هنا مفصّلا.
[٢] إِنَّ الأسئلة المتوجهة إلى برهان النَّظم لا تنحصر بما ذكرناه، و إِنْ كان هو أَقواها. و قد ذكر الأُستاذ (دام ظله) جميع الإِشكالات المطروحة حول هذا البرهان و تربو على السبع، و أَجاب عنها في كتاب «الله خالق الكون» فمن أراد التوسع فيها فليرجع إلى الصفحات التالية من: (٢٢٠ إلى ٢٧٩).