الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٥
ينحصر تقريره بصورة واحدة. و بهذا يعلم سر تركيز القرآن على ذاك البرهان، و في الآية التالية إشارات إليه. قال سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّة وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الاَْرْضِ لآَيَـات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ)[١].
***
إِشكال على برهان النَّظم:
إِعترض الفيلسوف الإِنكليزي ديفيد هيوم[٢] على برهان النَّظم بما حاصله أنَّ أساس برهان النَّظم - كما توهمه هيوم و فلاسفة الغرب - قائم على أنَّنا شاهدنا أنَّ جميع المصنوعات البشرية المنظَّمة لا تخلو من صانع ماهر، فالبيت لا ينشأ بلا بنّاء، و السفينة لا توجد بلا عمال، فلا بدَّ للكون المنظّم من صانع خالق أيضاً لشباهته بتلك المصنوعات البشرية.
ثم انتقد هذا الإِستدلال بأَنَّه مبني على التَّشابه بين الكائنات الطبيعية، و المصنوعات البشرية. ولكن هذا التشابه بمجرده لا يكفي لسحب و تعدية حكم أَحدهما إلى الآخر لاختلافهما، فإِنَّ مصنوعات البشر موجود صناعي بينما الكون موجود طبيعي فهما صنفان لا تسانخ بينهما، فكيف يمكن أَنْ نستكشف من أَحدهما حكم الآخر؟
و صحيح أنَّنا جرَّبنا مصنوعات البشر فوجدناها لا توجد إِلا بصانع
[١] سورة البقرة الآية ١٦٤.
[٢] و هو اسكتلندي المولد، ولد عام ١٧١١ م و توفي عام ١٧٧٦ م. و كان يعد من أَكبر الفلاسفة المشككين، و قد أورد هذا الإِشكال في كتابه المسمى بـ«المحاورات» و هو مؤلف على شكل حوار بين شخصين افتراضيين أَحدهما يمثل مشككاً في برهان النَّظم باسم «فيلون» و الآخر يمثل المدافع عنه باسم «كلثانتس».