الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥
و يعتقد العلماء أَنَّ كل قسم من هذه الأقسام يشغل مقداراً من عمر الإِنسان ثم يندفع إلى القسم الآخر حسب تكامل سنه و اشتداد قواه، و لعل كل واحد منها يأخذ من عمر الإنسان ثمان سنوات، ثم الخامس يستمر معه إلى خاتمة حياته و لا يفارقه حتى يموت.
ثم إِنَّ الآية المباركة تشبّه هذه الحياة الفارغة من القيم، بنبات مخضرّ لا دوام لا خضراره و لطافته، فسرعان ما يتحول النبات الأَخضر إِلى الأَصفر الذي ينفر منه الإنسان.
فمثل الإنسان الغارق في مستنقع المادة كمثل هذا النبات حيث يبتدئ حياته بالإِخضرار و اللطافة و يستقر في نهاية المطاف، جيفة في بطن الأَرض، إِلاّ من قرن حياته المادَّية بالحياة المعنوية غير المنقطعة بموته و زهوق روحه.
و إِنَّ القرآن الكريم أَيضاً يصوّر الحياة المادية بشكل آخر و يقول:
( وَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـالُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـاهُ حِسَابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[١].
فالحياة المادية في ريعانها تتجلى بصورة شيء واقعي له من الزهو و الجمال ما يغري به كالسراب الذي يخدع العطشان، فإذا انتهى إلى نهاية المطاف من عمره، يقف على أَنها لم تكن شيئاً واقعياً يسكن إليه.
إِنَّ الحياة الإِنسانية إنَّما تأخذ المنحى السليم إذا تفاعلت مع الجانب الروحي، ليكون للدين والقيم والأخلاق مكانة مرموقة في حياته، كما أنَّ لحاجاته الماديه ذاك المقام المنشود. و إنَّما تتجلى هذه الحقيقة، أي لزوم التوجه إلى الدين، إذا وقفنا على أمرين:
[١] سورة النور: الآية ٣٩.