الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٩
و على ضوء ذلك فالسُّنن و النُّظم، التي لم يتوفق العلم إِلا لكشف أَقل القليل منها، تثبت النظرية الأولى و هي احتضان العلَّة و اكتنافها للشعور و العِلْم و ما يناسبهما، و تبطل النظرية الثانية و هي قيام المادة الصَّماء العمياء بإِضفاء السُّنن على نفسهابلا محاسبة و دقة بتخيل أَنَّ انفعالات كثيرة، حادثة في صميم المادة، انتهت إلى ذاك النظام المبهر تحت عنوان «الصدفة» أو غيرها من الصراعات الداخلية التي تلوكها أَلسنة الماركسيين.
و على ذلك فكل علم من العلوم الكونية، التي تبحث عن المادة و خصوصياتها و تكشف عن سننها و قوانينها، كعملة واحدة لها وجهان، فمن جانب يعرّف المادة بخصوصياتها، و من جانب آخر يعرّف موجدها و صانعها. فالعالم الطبيعي ينظر إلى واحد من الوجهين كما أَنَّ العارف ينظر إلى الجهة الأخرى و العالم الربّاني ينظر إلى كلتا الجهتين و يجعل الأُولى ذريعة للثانية. و بهذا نستنتج أنَّ العلوم الطبيعية كلها في رحاب إثبات المقدمة الرَّابعة لبرهان النظم، و أَنَّ اكتمال العلوم يعين ذلك البرهان بأوضح الوجوه و أدقّ الطرق، و أَنَّ الإِعتقاد بالصانع العالم القادر يصاحب العِلْم في جميع العصور و الأَزمان.
و في الختام نركز على نقطتين:
الأُولى: إِنَّ القرآن الكريم ملي بلفظة «الآية» و «الآيات»، فعندما يسرد نُظُم الطبيعة و سُنَنَها، و يعرض عجائب العالم و غرائبه، يعقبه بقوله:
(إِنَّ في ذلِكَ لآية لِقَوْم يَتَفَكَّرُون) أَو (يذَّكَّرون) أَو (يعقلون) إلى غير ذلك من الكلمات الحاثة على التفكر و التدبر، و هذه الآيات تعرض برهان النَّظم بأوضح أشكاله على لسان الفطرة، بدلالة آيوية[١] مشعرة بأَنَّ
[١] الآيوية: منسوب إلى الآية، و هي دلالة خاصة إبتكرها القرآن الكريم وراء سائر الدلالات التي كشف عنها المنطقيون في أبحاثهم العلمية، و المراد من الدلالة الآيوية هو ما ركَّزنا عليه من أَنَّ التعمق في الأَثر و التدبر في خصوصياته، يهدينا إلى وجود المؤثر و خواصه، ففي تلك الدلالة، الآية ملموسة و محسوسة، و إِنْ كان ذو الآية غير محسوس و لا ملموس.