الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٨
إِثبات الصانع و رفض الإِلحاد و المادية، و اشملها لجميع الطبقات. و ملخص بيانهم في تطبيق هذه المقدمة على العالم، هو أَنَّ العلم لم يزل يتقدم و يكشف عن الرموز و السنن الموجودة في عالم المادة و الطبيعة و العلوم كلها بشتى أَقسامها و أَصنافها و تشعبها و تفرعها تهدف إلى أمر واحد و هو أَنَّ العالم الذي نعيش فيه، من الذرة إلى المجرة عالم منسجم تسود عليه أَدق الأَنظمة و الضوابط، فما هي تلك العِلَّة؟ أقول: إنها تتردد بين شيئين لا غير.
الأول: إنَّ هناك موجوداً خارجاً عن إطار المادة عالماً قادراً واجداً للكمال و الجمال، قام بإيجاد المادة و تصويرها بأدق السنن، و تنظيمها بقوانين و ضوابط دقيقة، فهو بفضل علمه الوسيع و قدرته اللامتناهية، أوجد العالم و أجرى فيه القوانين، و أضفى عليه السنن التي لم يزل العلم من بدء ظهوره إلى الآن جاهداً في كشفها، و مستغرقاً في تدوينها، و هذا المؤثر الجميل ذو العِلم و القدرة هو الله سبحانه.
الثاني: إِنَّ المادة الصَّماء العمياء القديمة التي لم تزل موجودة، و ليست مسبوقة بالعدم، قامت بنفسها بإِجراء القوانين الدقيقة، و أَضفت على نفسها السُّنن القويمة في ظل إِنفعالات غير متناهية حدثت في داخلها و انتهت على مر القرون و الأَجيال إلى هذا النظام العظيم الذي أَدهش العقول و أبهر العيون.
إِذا عرضنا هاتين النظريتين على المقدمة الرابعة لبرهان النظم، و هي قادرة على تمييز الصحيح من الزائف منهما، فلا شك أنها ستدعم أُولاهما و تبطل ثانيتهما لما عرفت من أنَّ الخصوصيات الكامنة في وجود المعلول و الأَثر، تعرب عن الخصوصيات السائدة على المؤثر و العلّة، فالسّنن و النُّظم تكشف عن المحاسبة والدقة، و هي تلازم العِلْم و الشعور في العلَّة، فكيف تكون المادة العمياء الصمَّاء الفاقدة لأي شعور هي التي أوجدت هذه السُّنن و النُّظم؟.