الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥
من عقله و علمه و شعوره، أو تجرده من تلك الكمالات و الصفات و غيرها. و لنوضح ذلك بمثال:
إِنَّ كتاب «القانون» المؤلف في الطب، كما له الدَّلالة الأُولى و هي وجود المؤثر، له الدَّلالة الثانية و هي الكشف عن خصوصياته التي منها أَنَّه كان إنساناً خبيراً بأُصول الطب و قوانينه، مطّلعاً على الدَّاء و الدَّواء، عارفاً بالأَعشاب الطبية، إلى غير ذلك من الخصوصيات.
والملحمة الكبيرة الحماسية لشاعر إيران (الفردوسي) لها دلالتان:
دلالة على أَنَّ تلك الملحمة لم تتحقق إلا بظل علَّة أَوجدتها، و دلالة على أَنَّ المؤلف كان شاعراً حماسياً مطلعاً على القصص و التواريخ، بارعاً في استعمال المعاني المتناسبة مع الملاحم. و مثل ذلك كل ماتمر به مما بقي من الحضارات الموروثة كالأبنية الأثرية، و الكتب النفيسة، و الصنائع المستظرفة اليدوية و المعامل الكبيرة و الصغيرة، إلى غير ذلك مما يقع في مرأى و منظر كل إِنسان. فالمهم في هذا الباب هو عدم الإِقتصار على الدلالة الأُولى بل التركيز على الدلالة الثانية بوجه علمي دقيق.
و على ضوء هذه القاعدة يقف العقل على الخصوصيات الحافة بالعلة، و يستكشف الوضع السائد عليها، و يقضي بوضوح بأَنَّ الأَعمال التي تمتاز بالنظام و المحاسبة الدقيقة، لا بد أَنْ تكون حصيلة فاعل عاقل، إستطاع بدقته أن يوجد أثره و عمله، هذا.
كما يقضي بأنَّ الأَعمال التي لا تُراعَى فيها الدّقة اللازمة و النظام الصحيح، تكون ناشئة عن عمل عامل غير عاقل، و فاعل بلا شعور و لا تفكير، فهذا ما يصل إليه العقل السليم بدرايته. و لتوضيح الحال نأتي بالمثالين التاليين:
المثال الأول: لنفترض أَنَّ هنا مخزناً حاوياً لأطنان عدة من مواد البناء بما فيها الحجر و الحديد و الإِسمنت و الجص و الخشب و الزجاج و الأَسلاك