الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٦
عن توليه و تصديه لخلقه بالعضوين، هو أَنَّ ملاك التنديد إعراض إبليس عن السجود لمصنوعه سبحانه من غير مَدْخَلِيَّة لخلقه بالعضو الخاص (اليد) بحيث لو خلقه بغيرها - و مع ذلك أعرض ابليس عن سجوده - لما توجه إليه لوم.
فالملاك هو الإِعراض عن السجود لما قام به سبحانه من الخلق من دون دخالة لأداة الخلقة.
فإنْ قيل: إذا كان هو المُبدع و المُتَولي لخلق سائر الأَناسي، فلماذا خص خلقه آدم بنفسه؟
قلنا: إِنَّ الإِضافة و التخصيص لبيان كرامته و فضيلته و شنيع فعل إبليس. و مثله قوله سبحانه: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)[١].
فتخصيص الإِضافة لبيان تشريفه سبحانه، كما يقول: (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّـائِفِينَ وَ الْعَـاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ)[٢].
و مثل ما تقدم، الكلام في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَـاهَدَ عَلَيْه اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً)[٣] فهل عندما نزلت الآية فهم منها السلف الصالح ما ينسبه إليهم ابن تيمية من أنَّ المراد هو المعنى اللغوي لكن ليست يده كيد المخلوقات و هي فوق أيدي الصحابة، أو أنهم فهموا أنَّ المراد سلطان الله و قدرته، بدليل ما فيها من تهديد لمن ينكث، بأنَّ مغبَّة النكث تعود عليه.
فلو تكاثفت الجهود على تشخيص الظواهر، سواء أكانت معان حقيقية أم مجازية، لارتفعت جميع التوالي فلا يلزم تمثيل و لا تشبيه، و لا تعطيل و لا تجهيل، و لا تأويل و خروج عن الظواهر، بل كان أخذاً بالظواهر بالمعنى المتبادر عند أهل اللغة أَجمعين.
[١] سورة الحجر: الآية ٢٩.
[٢] سورة البقرة: الآية ١٢٥.
[٣] سورة الفتح: الآية ١٠.