الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٥
ففي الآية الأولى يُرَتِّب سبحانه التدبير على قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْش)ليكون المعنى «استوى على عرش التّدبير». كما أنَّه في الآية الثانية بعد ما يذكر قسماً من التدبير وهو تسخير الشمس و القمر يُعطي ضابطة كلية لأمر التدبير و يقول: (ويُدَبّرُ الأَمْرَ). و على غرار الآية الأولى، الآية الثالثة.
و أما ما جاءت فيه الإِشارة إلى حقيقة التدبير من دون تسميته فمثل قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْـلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتِ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَْمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[١].
فقوله: (يُغْشِي اللَّيل النَّهار) الآية إشارة إلى حقيقة التدبير و بيان نماذج منه، ثم أتْبَعَه ببيان ضابطة كلية و قال: (ألا لَهُ الخَلْقُ و الأَمْرُ). أي إليه يرجع الخلق و الإِيجاد و أمر التدبير.
و قس على هاتين الطائفتين سائر الآيات. ففي الكل إلماع إلى أَمر التدبير إمّا بلفظه أَو ببيان مصاديقه، حتى قوله سبحانه: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَ حُمِلَتِ الاَْرْضُ وَ الْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَ حِدَةً * فَيَوْمَئِذ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَ انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَـئِذ وَاهِيَةٌ * وَ الْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَـئِذ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَـئِذ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ)[٢]. فالعرش في هذه الآية هو عرش التدبير و إدارة شؤون الملك يوم لا مُلْكٌ إلاّ ملكه. قال تعالى: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)[٣].
و قال سبحانه: (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ)[٤].
[١] سورة الاعراف: الآية ٥٤.
[٢] سورة الحاقة: الآيات ١٣ - ١٨.
[٣] سورة غافر: الآية ١٦.
[٤] سورة الانعام: الآية ٧٣.