الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٣
والذي نركّز عليه هو أنَّ الاستواء في الآية ليس ظاهراً في معنى الجلوس و الإِعتماد على الشيء، بل المراد هو الاستيلاء و التمكن التام، كناية عن سعة قدرته و تدبيره. و قد استعمل الإِستيلاء بهذا المعنى في غير واحد من أبيات الشعر. قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبدالملك بن مروان حين ولي إمرة العراق:
ثُمَّ اسْتَوى بِشْرٌ على العِراقِ * مِنْ غَيْرِ سَيْف وَدَم مِهْراقِ[١]
و قال آخر:
فَلمَّا عَلَوْنا وَاستَوَيْنا عَلَيْهِم * تَرَكْنَاهُم صَرْعَى لِنَسْر و كاسِرِ
إِنَّ المقصود هو استيلاء بِشْر على العراق و قوم القائل في البيت الثاني على العدو. و ليس العلوها هنا علواً حسيّاً بل معنوياً.
إذا عرفت ذلك فنقول، لو أخذنا بالمعنى الحرفي للعرش، كما هو المتبادر من قوله سبحانه: (وَلَها عَرْشٌ عَظِيْمٌ)[٢]، فيجب أنْ نقول إِنَّ لله سبحانه عرشاً، كعروش الملوك و السلاطين. و عند ذلك يتمحض المراد من استوائه عليه، بالجلوس عليه متمكّناً.
و أما لو نبذنا هذا المعنى، و قلنا بأنَّ المراد من الظاهر هو الظهور التصديقي. و هو المتبادر من مجموع الآية بعد الإمعان في القرائن الحافة بتلك الجملة، يكون المراد من الآية هو الكناية عن استيلائه على مُلكه في الدنيا و الآخرة و تدبيره من دون استعانة بأحد.
والجُمَل الواردة في كثير من الآيات الحاكية عن استوائه على العرش تدل
[١] البداية و النهاية، ج ٩، ص ٧.
[٢] سورة النحل: الآية ٢٣ .