الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠
مَاذَا فِي السَّمَاواتِ وَ الاَْرْضِ)[١]، لكن لا بمعنى الوقوف عند هذا التعرف و اتخاذه هدفاً، بل بمعنى اتخاذ تلك المعرفة جسراً لمعرفة بارئها و خالقها، و من أوجد فيها السُّنَن و النُّظُم.
إِنَّ الفرق الواضح بين تعرّف المادي على الطبيعة و تعرّف الإِلهي عليها هو أَنَّ الأول ينظر إلى الطبيعة بما هي هي، ويقف عندها من دون أنْ يتخذها وسيلة لتعرف آخر، و هو التعرف على مبادئ وجودها و علل تكونها، في حين أنَّ الإِلهي، مع أنَّه ينظر إلى الظواهر الطبيعية مثلما ينظر إليها المادي ويسعى إلى التعرف على كل ما يسودها من نُظُم و سُنَن، فإِنَّه يتخذها وسيلة لتعرف عال و هو التعرف على الفاعل الذي قام بإيجادها و إجراء السُّنن فيها، فكأَن النظرة في الأولى نظرة إلى ظاهر الموجود، و في الثانية نظرة إلى الظاهر متجاوزاً منها إلى الباطن.
و بعبارة أوضح، إنَّ المادي يقتصر في عالم المعرفة، على معرفة الشيء و يغفل عن معرفة أخرى، و هي معرفة مبداً الشيء من طريق آثاره و آياته، فلو اكتفينا في معرفة الظواهر بالمعرفة الأولى حبسنا أنفسنا في زنزانات المادة، ولكن إذا نظرنا إلى الكون بنظرة وسيعة و أخذنا مع تلك المعرفة معرفة أخرى و هي المعرفة الآيوية لوصلنا في ظل ذلك، إلى عالم أفسح ملي بالقدرة و العلم و الكمال و الجمال. و على ذلك فكل المظاهر الطبيعية مع ما فيها من الجمال و الروعة و مع ما فيها من النُظم و السُنن آيات وجود بارئها و مكونها و منشئها، و عند ذلك يتجلى للقارئ صدق ما قلنا من أنَّ الطرق إلى معرفة الله بعدد الظواهر الطبيعية بدءاً بالذرة و انتهاء إلى المجرة. و لأجل ذلك نرى أنَّ رجال الوحي و دعاة التوحيد يركّزون في معرفته سبحانه على الدعوة إلى النظر في جمال الطبيعة و روعتها فإِنها أَصدق شاهد
[١] سورة يونس: الآية ١٠١.