الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٩
الآخرة»[١].
كل ذلك يعرب عن أنَّ رابطة الجزاء مع الإِنسان رابطة العلية والمعلولية.
فالإِنسان بوجوده علة لجزائه، إما بخلقه و إِيجاده أو كونه زارعاً في هذه الدنيا زرعاً يحصد جناه في الآخرة، و ليس بينه و بين حرثه انفكاك. فإذا كانت الرابطة بهذه الصورة (العلية والمعلولية) لم يكن للسؤال مجال.
نعم، لا يصحّ لمتشرع ملمّ بالكتاب و السنَّة أنْ يحصر النّعمة والنّقمة في هذين القسمين و ينكر جنة مفصولة أو عذاباً كذلك عن وجود الإِنسان و عمله، فإِن الظاهر أَنَّ لكل من الجنة و النار وجودين مستقلين يرد إِليهما الإِنسان حسب أعماله. و مع ذلك كله، لا مانع من أنْ يكون هناك تعذيب أو تنعيم بأحد المعنيين الماضيين. و لمّا كان الإِشكال عقلياً، كفى في رفعه ما ذكرنا من الوجهين.
و أما الجواب عن السؤال الثاني فنقول:
إِنَّ ماذُكر مِنَ السُّنة العقلية من التطابق بين الجرم و العقوبة كَمّاً و كيفاً، إنما يرتبط بالعقوبات الجعلية، و أما إِذا كانت العقوبة أثراً وضعياً للعمل فلا نجد تلك المطابقة في الكم و لا في الكيف.
فالسائق الغافل لحظة واحدة ربما يتحمل خسارات نفسية و مالية تدوم مدة عمره. و الإِنسان الذي يستر بذرة شوك أو بذرة ورد تحت التراب، يحصد الأشواك والورود ما دام العمر، فالعمل كان آنياً والنتيجة دائمية، فليست المعادلة محفوظة بين العمل و ثمرته.
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٢٢، طبعة عبده.