الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٣
و المصائب فيدفعان إلى المجتمع أَولاداً أَرسخ من الجبال في مهب العواصف.
قال الإِمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ : «ألا إِنَّ الشَّجرَةَ البَرّيّة أَصْلَبُ عُوداً، و الرَّوائِعَ الخَضِرَةَ أرَقُّ جُلوداً، و النباتاتِ البَدَويَّة أَقوى وَقُوداً و أَبطَأُ خُموداً»[١].
و إلى هذه الحقيقة يشير قوله سبحانه: (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[٢].
و قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)[٣].
و قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَ إِلَى رَبِّكَ فَارْغَب)[٤] أي تَعَرَّض للنَّصَب و التعب بالإِقدام على العمل و السعي و الجهد بعدما فرغت من العبادة، و كأنَّ النصر والمحنة حليفان لا ينفصلان و أَخوان لايفترقان.
ب - المصائب و البلايا جرس إِنذار
إِنَّ التمتع بالمواهب الماديَّة و الإِستغراق في اللذائذ و الشهوات يوجب غفلة كبرى عن القيم الأخلاقية، و كلما ازداد الإِنسان توغّلا في اللذائذ و النعم، ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية. و هذه حقيقة يلمسها كل إِنسان في حياته و حياة غيره، و يقف عليها في صفحات التاريخ. فإذن لا بد لأنتباه الإِنسان من هذه الغفلة من هزّة و جرس إِنذار يذكّره و يوقظ فطرته و ينبهه من غفلته. و ليس هناك ما هو أَنفع في هذا المجال من بعض الحوادث التي تقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتى يدرك عجزه و يتخلى عن غروره و يخفف من طغيانه. و نحن نجد في الكتاب العزيز التصريح بصلة
[١] نهج البلاغة - خطبة ٤٥.
[٢] سورة النساء: الآية ١٩.
[٣] سورة الانشراح: الآيتان ٥ و ٦.
[٤] سورة الانشراح: الآيتان ٧ و ٨.