الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٤
إِنَّ البحث عن الشرور، ليس مسألة جديدة كشف عنها فلاسفة الغرب و منهم الفيلسوف «هيوم» الإِنكليزي، كما ربما يتخيله بعض من لا خبرة له بالفلسفة الإِسلامية، بل والإِغريقية، فإن هذه المسألة قد طرحت بين القدامى من فلاسفة الإِغريق، و المتأخرين من فلاسفة الإِسلام.
فقد اشتهر قول أرسطو: «إِنَّ الموجودات الممكنة بالقسمة العقلية في بادئ الإِحتمال تنقسم إلى خمسة أقسام:
١ـ ما هو خير كله لا شرّ فيه أصلا.
٢ـ ما فيه خير كثير مع شرّ قليل.
٣ـ ما فيه شرّ كثير مع خير قليل.
٤ـ ما يتساوى فيه الخير و الشرّ.
٥ـ ما هو شر مطلق لا خير فيه أصلا».
ثم صرّحوا بأنَّ الأقسام الثلاثة الأخيرة غير موجودة في العالم، و إنما الموجود من الخمسة المذكورة هو قسمان[١].
و قد بحث الفيلسوف الإسلامي صدر الدين الشيرازي (ت ٩٧٩ هـ، م ١٠٥٠ هـ) عن مسألة الخير و الشر و المصائب و البلايا في كتابه القيّم «الأسفار الأربعة» في ثمانية فصول بحثاً علمياً، كما بحث عنها الحكيم السبزواري في قسم الفلسفة من شرح المنظومة بحثاً متوسطاً. و قد سبقهما عدة من الأجلاّء كما تبعهما ثلة أُخرى من المفكرين الإسلاميين. و نحن نقتبس فيما يلي ما ذكره هؤلاء المحققون بتحليل و تشريح خاص فنقول:
إِنَّ مسألة الشرور و البلايا دفعت بعض الطوائف في التاريخ و حتى اليوم إلى الاعتقاد بالتعدد في الخالق، و هو الاتجاه المسمى بالثَّنويّة، حيث تصوّر أنَّ إله الخير هو غير إله الشَّر، هروباً من الإِشكال المذكور، و لأجل ذلك عرفوا بالثَّنوية. و بما أنَّهم يعتقدون بأنَّ الإِلهين مخلوقان للإِله الواجب
[١] الأسفار، ج ٧، ص ٦٨.