الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٤
معلّلة بالأغراض و الغايات و الدواعي و المصالح، إنما يعني بها الثاني دون الأول، والغرض بالمعنى الأول ينافي كونه غنياً بالذات و غنياً في الصفات و غنياً في الأفعال، و الغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً و لغواً، و كونه سبحانه عابثاً و لاغياً فالجمع بين كونه غنياً غير محتاج إلى شيء، و كونه حكيماً منزهاً عن العبث و اللغو، بالقول باشتمال أفعاله على مصالح و حِكَم ترجع إلى العباد و النظام لا إلى وجوده و ذاته، كما لا يخفى.
تفسير العلة الغائية
العلة الغائية التي هي إحدى أجزاء العلة التامة، يراد منها في مصطلح الحكماء، ما تُخرج الفاعل من القوة إلى الفعل، و من الإمكان إلى الوجوب، و تكون متقدمة صورة و ذهناً و متأخرة وجوداً و تحققاً، فهي السبب لخروج الفاعل عن كونه فاعلا بالقوة إلى كونه فاعلا بالفعل. مثلا: النجار لا يقوم بصنع الكرسي إلا لغاية مطلوبة مترتبة عليه، و لو لا تصور تلك الغاية لما خرج عن كونه فاعلا بالقوة، إلى ساحة كونه فاعلا بالفعل. و على هذا فللعلة الغائية دور في تحقق المعلول و خروجه من الإِمكان إلى الفعلية، لأجل تحريك الفاعل نحو الفعل، وسوقه إلى العمل.
و لا نتصور العلة الغائية بهذا المعنى في ساحته، لغناه المطلق في مقام الذات و الوصف و الفعل، فكما أنه تام في مقام الوجود، تام في مقام الفعل، فلا يحتاج في الإِيجاد إلى شيء وراء ذاته. و إلا فلو كانت فاعلية الحق، كفاعلية الإنسان، فلا يقوم بالإيجاد و الخلق إلا لأجل الغاية المترتبة عليه، فيكون ناقصاً في مقام الفاعلية مستكملا بشيء وراء ذاته، و هو لا يجتمع مع غناه المطلق..
هذا ما ذكره الحكماء، و هو حق لا غبار عليه. و قد استغلته الأشاعرة في غير موضعه و اتخذوه حجة لتوصيف فعله عارياً عن أية غاية و غرض، وجعلوا فعله كفعل العابثين و اللاعبين، يفعل (العياذ بالله) بلا غاية، و يعمل بلا غرض ولكن الاحتجاج بما ذكره الحكماء لإثبات ما قالته، واضح البطلان، لأن