الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٦
احتمال العابثية عن فعله و كلامه، لاحتمال كونه هازلا أو كاذباً في كلامه.
فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإِدراكات العقلية شيء لا يتوقف درك حسنه و قبحه على شيء، و أن يكون العقل مستقلا في دركه، و هو حسن العدل و قبح الظلم و حسن الصدق و قبح الكذب حتى يستقل العقل بذلك على أنَّ كل ما حكم به الشرع فهو صادق في قوله. فيثبت عندئذ أنَّ ما تعلق به الأمر حسن شرعاً، و ما تعلق به النهي قبيح شرعاً. و هذا ما يهدف إليه المحقق الطوسي من أنَّه لولا استقلال العقل في بعض الأفعال ما ثبت حسن و لا قبح بتاتاً.
الدليل الثاني - ما أشار إليه المحقق الطوسي أيضاً بقوله: «ولجاز التعاكس»[١] أي في الحسن و القبح.
توضيحه: إِنَّ الشارع على القول بشرعية الحسن و القبح، يجوز له أن يُحَسّن أو يُقَبّح ما حَسّنه العقل أو قبّحه. و على هذا يلزم جواز تقبيح الإِحسان و تحسين الإِساءة و هو باطل بالضرورة. فإنَّ وجدان كل إنسان يقضي بأنَّه لا يصح أن يُذَمَّ المُحسن أو يُمدَحَ المسيء. قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «و لا يَكُونَنّ المُحسن والمُسيءُ عندَكَ بمنزلة سواء»[٢].
و الإِمام يهدف بكلمته هذه إيقاظ وجدان عامله، و لا يقولها بما أنَّها كلام جديد غفل عنه عامله.
الدليل الثالث - لو كان الحُسن والقُبح شرعيين لما حكم بهما البراهمة والملاحدة الذين ينكرون الشرائع، و يحكمون بذلك مستندين إلى العقل.
و هؤلاء الماديون والملحدون المنتشرون في أقطار واسعة من شرق الأرض و مغربها يرفضون الشرائع والدين من أساسه، و يعترفون بحُسن أفعال و قبح بعضها الآخر.
[١] كشف المراد، ص ١٨٦.
[٢] نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.